لما سابوني اموت
وجع الشدّة في شعري خلّى الدنيا تسود قدام عيني لحظة… بس الغريب إني ما صرختش.
سكون غريب نزل عليّ… سكون تقيل، بارد.
إيد جوشوا كانت لسه ماسكة شعري، وهو مستني مني نفس رد الفعل المعتاد… عياط، صريخ، تبرير… أي حاجة تخليه يحس إنه كسب.
بس أنا ما عملتش ولا حاجة.
رفعت عيني عليه بهدوء غريب… هدوء خوّفه.
قلتله بصوت واطي جداً: "سيب شعري."
يمكن لأول مرة يسمعني من غير خوف… أو ضعف… أو رجاء.
إيده ارتخت لوحدها.
سابني.
وقفت عدلت نفسي، وبصيت لكل واحد فيهم… واحد واحد… كأني بشوفهم لأول مرة بجد.
بابا… اللي عمره ما صدقني. ماما… اللي كانت دايماً “تصلّح” اللي هما بيكسروه فيّ بس بكلام فاضي. جوشوا… اللي كان شايفني كيس ملاكمة. إيفيت… بابتسامتها الهادية وعيونها اللي كلها سم. وجول…
وقفت عنده لحظة.
الشخص الوحيد اللي كنت فاكرة إنه “ليّا”.
بس هو كان واقف وراها… مش جنبي.
ابتسمت… ابتسامة
قلت: "خلاص."
بابا عقد حواجبه: "خلاص إيه؟"
بصيتله بهدوء: "خلاص… فهمت."
لفيت وطلعت على السلم.
المرة دي… محدش ناداني.
—
أول ما دخلت أوضتي، قفلت الباب ورايا بهدوء… وسندت عليه.
جسمي كله كان بيحكّ… الحساسية بقت أسوأ… نفسي تقيل… والغرز بتشد.
بس ولا دمعة نزلت.
روحت ناحية الدولاب… طلعت شنطة صغيرة… وبدأت أحط فيها هدومي.
مش كل حاجة.
بس اللي يكفيني.
وقفت قدام المراية لحظة… ورفعت هدومي شوية.
آثار العملية… والكدمات… وعلامة الحمرة اللي بدأت تنتشر من الحساسية.
همست لنفسي: "دي آخر مرة."
—
قعدت على السرير… مسكت موبايلي…
وفتحت الرسائل.
كتبت رسالة واحدة… وبعتها في الجروب العائلي:
"أنا بخير بعد العملية. الزايدة كانت منفجرة. وقّعت إقرار العملية بنفسي لأن محدش فيكم رد. شكراً إنكم كنتوا مشغولين. متقلقوش… مش هتتعبوا بسببي تاني."
ثواني…
والتليفون بدأ يرن.
مرة… اتنين… عشرة…
ماما. بابا. حتى جول.
بصيت للشاشة… وسيبته يرن.
لحد ما سكت.
—
بعدها فتحت جهة الاتصال اللي كنت مأجّلاها بقالها سنين…
رقم عمّي.
الشخص الوحيد اللي في العيلة اللي كان دايماً يقول: "لو احتجتي حاجة… تعاليلي."
رد من أول رنة.
"صوفيا؟"
سكت لحظة… وبعدين قلت: "ممكن أجي أقعد عندك شوية؟"
رد فوراً: "تيجي حالاً."
—
بعد أقل من ساعة… كنت خارجة من البيت.
نفس الباب اللي كنت بدخله كل يوم… وأنا بحاول أرضيهم.
المرة دي… خرجت منه… وأنا مش مستنية منهم حاجة.
ولا حتى نظرة.
—
وأنا ماشية…
سمعت صوت باب بيتنا بيتفتح بعنف…
وصوت ماما وهي بتنادي: "صوفيا! استني!"
كملت مشي.
"صوفيا لو سمحتي ارجعي!"
وقفت لحظة…
من غير ما أبص ورايا.
وقلت بهدوء: "أنا رجعت قبل كدة… كتير."
وسكتت.
"بس إنتوا عمركم ما كنتوا موجودين."
وكملت طريقي.
—
بعدها بأيام…
الحقيقة
عمّي لما عرف اللي حصل… ما سكتش.
تقارير المستشفى… وقت الدخول… حالة الانفجار…
وإنه كان ممكن يحصل تسمم في الدم لو اتأخرت أكتر.
الرسالة اللي بعتها… ومكالماتي اللي ما حدش رد عليها…
كل حاجة اتكشفت.
—
وأول واحد بدأ ينهار… كان جول.
راح لعمّي بنفسه.
يحاول يبرر.
يحاول يرجّعني.
بس كان متأخر.
قابلته مرة واحدة بس…
بصلي وقال: "أنا غلطت… بس أنا كنت فاكر إنك بتبالغي زي كل مرة."
بصيتله… وقلت: "وأنا كنت فاكرة إنك مختلف عنهم."
سكت.
وأنا مشيت.
—
الفرح؟
ما اتأجلش…
اتلغى.
للأبد.
—
بعد شهور…
بدأت أتعافى.
مش بس من العملية…
منهم.
بدأت أركز في حياتي… دراستي… نفسي.
ولأول مرة…
ما كنتش محتاجة حد يختارني.
أنا اللي اخترت نفسي.
—
أما هما؟
الندم بدأ ييجي… واحد واحد.
ماما بقت تبعت رسايل كل يوم.
بابا حاول يكلمني لأول مرة من غير أوامر.
جوشوا… بقى يتجنب حتى اسمي.
وإيفيت؟
ولا
—
بس الحقيقة؟
مش كل ندم بيصلّح اللي اتكسر.
وفي حاجات…
لما بتخلص…
بتخلص بجد.
وأنا…
كنت خلصت.