رواية كاملة
في عزا جوزي، حفيدي وشوشني وسرّب لي ورقة في سكات.. والورقة دي قلبت حياتي كلها تاني يوم الصبح!
أغرب حاجة في جنازة جوزي مأكنتش السكوت.. كانت "الوشوشة".
كنت واقفة جنب خشبة "الحاج رفعت المنشاوي"، بحاول أخد نَفَسي وسط الوجع اللي كابس على صدري، وفجأة حفيدي "مروان"، اللي عنده 11 سنة، قرب مني من غير صوت وحط في إيدي ورقة مطبقة. مأبصش في عيني، بس وشوش بـ صوت واطي أوي ضاع وسط ريحة الورد والصوان:
— "جدو قالي أديكي دي.. لو مأقامش تاني."
جسمي قشعر.. خبّيت الورقة في شنطتي بسرعة قبل ما حد ياخد باله، بس الفضول قتلني. فتحتها بـ إيد بـ تترعش وأنا مستخبية ورا طرف العباية السوداء. أول سطر كان صدمة عمري:
"يا عزة.. بلاش تأمني لـ 'عصام' ابني."
لثانية افتكرت إن عينيا بـ تخدعني، وإن الوجع خلاني أتجنن. ابني "عصام"؟ ضنايا؟
رفعت عيني ولقيته جاي عليا بـ وش "حزين" مرسوم بـ المسطرة، الوش اللي دايماً بـ يعرف يلبسه قدام الناس.
— "يا ماما،" قال بـ صوت هادي وهو بـ يمسك دراعي، — "لازم تقعدي، أنتي واقفة بقالك كتير."
هزيت راسي وقعدت، مش عشان هو عاوز، لانو رجلي مأبقتش شايلاني. 42 سنة مع رفعت مابيندفتوش في يوم وليلة من غير ما حاجة في روحك تتكسر. قعدت والورقة في شنطتي بـ تحرقني كأنها "جمرة نار".
"بلاش تأمني لـ عصام."
مروان أدا لى الورقة قبل الصلاة بدقائق. ودلوقتي أنا مأكنتش سامعة الشيخ وهو بـ يقرأ، ولا الناس اللي بـ تحكي عن شهامة رفعت، ولا عن شركة المقاولات اللي بناها
بنتي "هبة"، اللي قاعدة على يميني، مأكنتش بـ تعيط. كانت قاعدة ناشفة زي الحجر. وجوزها "طارق" بـ يبص لـ ساعة القاعة كأنه مستني إشارة. و "نهى" مرات عصام بـ تتبادل معاهم نظرات سريعة.. مأكنتش نظرات حزن، كانت نظرات "حسابات" مستخبية في توب الزعل.
حاولت أقنع نفسي إني "مهيبرة" من الحزن.. بس افتكرت حاجة حصلت قبل ما رفعت يموت بـ ليلتين. كان قاعد في المطبخ بيشرب شاي وعينه تعبانة أوي.
— "يا عزة،" قالي، — "لو حصل لي حاجة في أي وقت، أوعديني إنك مأتمضيش على أي ورقة من غير ما تراجعي 'المحامي الأستاذ فريد' الأول."
— "إمضاء إيه يا راجل؟" رديت بـ ضحكة مهزوزة، — "ماتقولش كلام فال وحش."
كان لسه هيشرح، بس عصام دخل المطبخ فجأة والحوار اتقطع. وقتها مأأخدتش في بالي، بس دلوقتي في الجنازة والورقة في إيدي، فهمت إن رفعت مأكنش بـ يرمي كلام وخلاص.
بعد الدفن، وعصام بـ يلاحقني زي ضلي:
— "يا ماما، أنتي لازم تيجي تباتي عندنا النهاردة، مأينفعش تقعدي لوحدك."
هبة كملت وراه: — "أيوة يا ماما، إحنا جهزنا ليكي أوضة الضيوف خلاص."
الجملة دي خلتني أرفع راسي: — "جهزتوا الأوضة؟"
هبة ارتبكت: — "قصدي.. يعني لو قررتي تيجي."
مأنطقتش.. رفعت كان كاتب سطر تاني تحت التحذير:
"ماتروحيش معاهم.. كَلّمي الأستاذ فريد نصّار حالاً."
الأستاذ فريد.. صاحب عُمر رفعت. بقالنا فترة مأكلمناش لانو عصام هو اللي بقى ماسك كل حاجة في الشركة والعقود
أول ما لقيت فرصة، أخدت تليفون جارتي وكلمت فريد. أول ما سمع صوته، حسيت بـ خنقة:
— "أنا عزة.. رفعت ساب لي رسالة بـ تقول إني أكلمك."
فريد سكت سكة طويلة أوي، لدرجة إني افتكرت الخط قطع.
— "يعني لِحق يكتبها،" قال بـ صوت واطي، — "رفعت كان عارف إنهم بـ يسموه بـ البطئ يا عزة عشان يموت 'موتة طبيعية' ويورثوا الشركة قبل ما يغير الوصية اللي بـ تخلي كل الأملاك ليكي وللحفيد مروان.. هما جايين ياخدوكي البيت عشان يخليكي تمضي على تنازل وأنتي 'مغيبة' من أثر الصدمة!" أنا مأبينتش أي حاجة، وركبت معاهم العربية وأنا قلبي مقبوض. دخلت الفيلا ولقيتهم كلهم متجمعين في الصالة؛ عصام ومراته وهبة وجوزها. عصام دخل المطبخ وجاب لي كباية عصير ليمون وقال بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم:
— "اشربي دي يا ست الكل عشان تهديكي وتعرفي تنامي.. وبعدها فيه ورق صغير كده يخص (معاش بابا) لازم تمضي عليه عشان الفلوس م تروحش عليكي."
أخدت الكباية، وكنت شايفة في عينيه نظرة "الذئب" اللي مستني فريسته. افتكرت كلام الأستاذ فريد: "م تلمسيش أي أكل أو شرب، أنا في الطريق ومعايا القوة."
المواجهة الكبرى
قلت له بهدوء: "مش همضي يا عصام.. والليمون ده خليه ليك، يمكن يغسل الغل اللي في قلبك."
عصام وشه اتقلب 180 درجة، وزعق بصوت مرعب: "بتقولي إيه؟ إنتي شكلك كبرتي وخرفتي! الورق ده هتمضي عليه يعني هتمضي، إحنا م ضيعناش شهور بنخطط عشان تيجي إنتي في الآخر
هبة بدأت تصوت: "م تمضي يا ماما وخلصينا! إحنا محتاجين السيولة دي عشان نسدد ديوننا، وإنتي كدة كدة م محتاجة حاجة!"
في اللحظة دي، جرس الباب رن بعنف.. ودخل الأستاذ فريد ومعه "قوة من الشرطة" ومعاهم "تقرير طبي" سري كان رفعت عمله في معمل خاص قبل وفاته بـ 48 ساعة!
الضربة القاضية (تقرير السم)
فريد بص لعصام وقال بصوت زي الرعد:
— "التقرير ده بيثبت وجود (مادة كيميائية) في دم الحاج رفعت، بتسبب هبوط حاد في القلب بمرور الوقت.. والنيابة أمرت بـ (تشريح الجثة) حالاً، وبـ تفتيش الفيلا دي."
نظام عصام انهار تماماً، والبوليس لقى في "خزنته الخاصة" قزايز المادة اللي كان بيحطها في شاي أبوه، ولقى "عقود تنازل مزورة" كان مجهزها عشان يخلي أمه تمضي عليها وهي تحت تأثير المخدر اللي في الليمون!
النهاية
عصام وهبة واتقبض عليهم بتهمة "القتل العمد مع سبق الإصرار"، والشركة والأملاك كلها رجعت باسمي وباسم الحفيد "مروان" اللي كان هو البطل الحقيقي في القصة دي.
أنا رجعت بيتي، وقعدت في ركن رفعت، وبكيت لأول مرة بحرقة.. مش عشان مات، عشان هو كان بيحارب "شياطين" من دمه عشان يحميني، وم مأمنش لحد غير لطفل صغير لسه قلبه نضيف.
مروان كبر وبقى هو اللي ماسك شغل جده، وكل يوم بنقرأ الفاتحة لـ رفعت ونقول: "المال الحلال م بضيعش.. والظلم آخره حبل المشنقة."
العبرة: م تستهونش بـ "ذكاء" طفل، ولا بـ "رسالة" جاية من واحد بيموت.. اللي يبيع أبوه عشان قرش،