أيوه يا أمي، اتأكدت من كل حاجة.. بقلم منــال عـلـي
أنا محاسبة يا كريم.. بعرف كل جنيه بيروح فين.. والمليون ونص دول، هما تمن تذكرتي عشان أخرج من حياتكم.. ومن غير رجوع. بقلم منال علي
كريم حاول يتكلم... بس الكلام وقف في زوره كأنه شوك.
أما أم كريم، فسحبت نفس جامد وصدرها بيعلى ويوطى، وشفايفها اترعشت من الغل مش من الصدمة.
أهو ده بقى أصلك الحقيقي! رمت الكلمة في وش سلمى بحدّة وقرف. وأنا اللي طول عمري أقول لابني ماتثقش فيها، دي لئيمة وكل قرش بتحوشه عشان تخلع وتعيش لنفسها في الآخر!
سلمى قامت من مكانها بمنتهى البرود، رتبت هدومها وهزت راسها
لنفسي يا طنط؟ أيوه.. لنفسي. لإن لو ما فكرتش في نفسي، إنتوا أول ناس هتدوسوا عليا وتنسوا إني كنت موجودة أصلاً متوفره على روايات واقتباسات
نزل صمت تقيل على الريسبشن، أتقل من دخان السچائر.
كريم وطى عينه في الأرض.. كان عايز يستخبى من نظراتها. مكنش في وشه ڠضب، كان فيه خيبة وجبن.
وفي اللحظة دي، سلمى اكتشفت إن الجبن ده أبشع بكتير .. ممكن تواجهه، لكن الجبان بيموتك بالبطيء.
يا سلمى.. نطق كريم أخيراً بصوت مهزوز، إحنا بس كنا عايزين مصلحتك، إنتي فاهمة الموضوع غلط.
بصتله ببرود يقص العمر مصلحتي ولا مصلحتك يا كريم؟ عشان تفضل برنس في نفسك وما تشيلش مسؤولية؟ ولا مصلحة والدتك اللي عايزة تبني قصرها من شقايا وتجاعيد وشي؟
محدش رد.. حتى البيت كان ساكت، بس صفارة الكاتل كانت طالعة پصرخة مكتومة كأنها بتعلن نهاية الحكاية.
سلمى دخلت أوضة النوم وقفت الباب وراها. متوفره على روايات واقتباسات
الليل كان لسه في أوله، وكل حاجة في الأوضة بتفكرها بحياتها اللي فاتت.. الحياة اللي قررت إنها مش هتكمل فيها كومبارس.
الليلة دي سلمى ما نامتش.
قعدت على السرير واللابتوب قدامها، بتراجع حساباتها، تحويلاتها، ومصاريفها بالقرش.. مرة واتنين وعشرة.
المحاسبة اللي جواها اشتغلت بمشرط جراح بيستأصل ورم خبيث من حياته.
في ساعة واحدة، كانت لغت توكيلات، غيرت باسورودات، وخدت قرارات كانت مأجلاها من سنين.
الصبح بدأت تلم حاجتها.. بس مش الهدوم. بقلم منال علي
لمت الأوراق المهمة، اللابتوب، الباسبور، الكروت البنكية، والفلاشات اللي عليها تاريخ تعبها.
أما الباقي؟ فبقى في نظرها مجرد كراكيب ما تستاهلش تشيل همها.
كريم كان لسه نايم، مدي ضهره للدنيا، وبيتمتم
سلمى.. اعملي قهوة..
بصتله بصه أخيرة.. للراجل اللي كانت فاكراه سند، وطلع مجرد قناع فاضي من جوه.
دخلت المطبخ ببرود، عملتله القهوة، وحطتها قدامه على السفرة.. مش حب، بس عشان ماتمشيش من غير كلمة أخيرة بقلم منال علي
جنب كوباية القهوة، حطت الكارت البنكي القديم.. اللي بقى على الحديدة.
كريم قام بيبص للكارت باستغراب ده إيه؟
قالت بهدوء دي حريتي.. الحساب بقى صفر يا كريم. حولت كل مليم لحساب جديد محدش يعرف عنه حاجة غيري. لا إنت ولا والدتك هتلمسوا تعبي تاني.
كملت وهي بتلبس شنطتها وشقة الإيجار دي، أنا جددت عقدها باسمي لوحدي.. فيا ريت تلم حاجتك وتمشي قبل ما الليل ليل.
كريم قام مڤزوع كأنه اتكهرب نعم؟! إنتي بتقولي إيه؟! حولتي الفلوس فين؟! إنتي اټجننتي؟ ماينفعش تعملي كدة!
ابتسمت ببرود ما ينفعش؟ ليه؟ مش من حقي أتصرف في مالي؟ في صحتي؟ في السنين اللي ضاعت من عمري وإنت متلقّح قدام التلفزيون؟
اتسمر مكانه.. مسك موبايله يحاول يعمل أي حاجة، بس سلمى كانت رتبت الميزانية صح. لا ثغرة، ولا غلطة، ولا فرصة لرجوع.
الخروج للضوء
وفجأة.. خبط على الباب.
فتحت سلمى، لقيت
يعني إيه الكلام اللي كريم بيقوله ده؟! إنتي حولتي الفلوس؟! إحنا عيلة واحدة يا سلمى!
سلمى ضحكت ضحكة هادية جداً
عيلة؟ واضح إن مفهومكم للعيلة هو الاستغلال.. العيلة عندي يعني احترام وأمان، مش ناس قاعدة تقسم ورثي وأنا لسه عايشة.
بصت لها بحدة اتفضلي يا طنط.. مع السلامة.
وقفت الباب بهدوء.. من غير خناق، ولا صوت عالي، ولا ردح مصري قديم. الهدوء كان أقوى بكتير.
بعد شهر..
سلمى قاعدة في أوضة صغيرة في بيت قديم مطل على جنينة، ريحة الشجر فيها أحلى من أي برفان غالي.
وهي قاعدة بتشرب كوباية كاكاو دافية واللابتوب مفتوح قدامها، نعل الشبشب اتفك.. فضحكت من قلبها.
ضحكت لإنها لأول مرة مش شايلة هم حد، ولا خاېفة من بكرة.
على الشاشة كان فيه
أول تحويل ينزل على حسابها الجديد.
لا مراقبة، ولا مكالمات سم، ولا طلبات ما بتخلصش.
بس هي.. والأرقام.
ولأول مرة، الأرقام ما كانتش حمل تقيل على كتافها.. الأرقام كانت موسيقى بتعزف لحن استقلالها.
سلمى اتأكدت من حاجة واحدة وهي بتقفل اللابتوب وتنام في هدوء
أوقات الحرية بتكون أغلى من المليون
تمت.