فتاة مشردة تنقذ طائرة
البنت الصغيرة بصت لسلمى بتردد، بس كان في لمعة غريبة في عينيها، نفس اللمعة اللي كانت في عيون سلمى زمان، خليط من الخوف والتحدي والجوع… مش جوع أكل بس، جوع لإثبات النفس. قالت بصوت خافت: — "أنا… بسمع خبط خفيف كده… كأنه حد بيخبط من جوه."
المهندسين ابتسموا بسخرية خفيفة، لكن سلمى ما ضحكتش، بالعكس ركعت قدامها شوية وقالت بهدوء: — "الخبط ده بييجي إمتى؟"
— "لما الموتور بيهدي بعد ما يعلى… بيبقى في حاجة مش مظبوطة."
سلمى بصت للمحرك، وبعدين للبنت، وابتسمت ابتسامة رضا خفيفة، وقالت للفريق: — "نفتح الغطا."
كبير المهندسين قال باستغراب: — "بس يا باشمهندسة، ده موتور لسه متراجع من صيانة كاملة!"
سلمى ردت بثقة: — "افتحوا."
لما اتفتح، سلمى مدت إيدها للبنت وقالت: — "تعالي، مش هتخافي."
البنت قربت، وإيديها كانت بترتعش، بس أول ما لمست المعدن، وشها اتغير… نفس التحول اللي حصل لسلمى زمان. سكتت لحظة، وبعدين قالت: — "في حاجة مش مربوطة
سلمى ابتسمت وقالت: — "كمّلي."
البنت غمضت عينيها، كأنها بتركّز بكل حواسها، وبعدين حطت صباعها على نقطة معينة: — "هنا."
لما المهندسين فكّوا المكان، اكتشفوا إن في مسمار صغير مفكوك بدرجة بسيطة جدًا، حاجة ممكن تتعدي على أي حد… بس مع الوقت كانت هتعمل مشكلة كبيرة.
السكوت عمّ المكان، بس المرة دي مش صمت عجز… صمت إعجاب.
سلمى قامت ووقفت، وبصت للفريق وقالت: — "دي اسمها موهبة… مش حاجة تتضحك عليها."
وبعدين رجعت للبنت وقالت: — "اسمك إيه؟"
— "مريم."
— "تحبي تشتغلي معانا يا مريم؟"
البنت فتحت عينيها بذهول: — "أنا؟"
— "أيوه… بس بشرط."
— "إيه؟"
— "تتعلمي… وتتعبي… وماتخليش حد يكسرك."
مريم هزت راسها بسرعة، وكأنها لقت باب كانت فاكرة إنه مقفول للأبد.
الأيام بدأت تتكرر، بس كل يوم كان بيحمل قصة جديدة. سلمى بقت مش بس مهندسة ناجحة، لكنها بقت مدرسة… مش بالكتب، لكن بالحس، بالصبر، وبإنها تشوف اللي الناس مش شايفاه.
أدهم
وفي يوم مهم جدًا، شركة طيران عالمية طلبت تقييم شامل لأسطولها، وكان في طيارة معينة الكل فشل يفهم مشكلتها. التقارير كلها بتقول إن مفيش عيب واضح، بس الطيارين كانوا رافضين يطيروا بيها.
سلمى أخدت الفريق، ومعاها مريم اللي كبرت وبقى عندها ثقة ملحوظة، وسافروا للموقع.
الطيارة كانت واقفة زي لغز صعب، وكل العيون عليهم.
سلمى مشت حوالينها ببطء، بإيديها بتلمس جسمها، ومريم وراها بتراقب كل حركة.
بعد شوية، سلمى وقفت فجأة وقالت: — "في حاجة غلط في التوازن."
المهندسين الأجانب استغربوا: — "كل الحسابات مظبوطة."
سلمى ردت: — "الحسابات مش دايمًا بتحكي الحقيقة كلها."
مريم قربت وقالت: — "ممكن تكون المشكلة في توزيع الوقود؟"
سلمى بصت لها بابتسامة فخر:
وبالفعل، بعد فحص دقيق، اكتشفوا إن في خلل بسيط جدًا في نظام توزيع الوقود، حاجة كانت بتأثر على التوازن بشكل غير مباشر.
المشكلة اتحلت، والطيارة رجعت للخدمة، واسم سلمى وفريقها بقى على كل لسان.
في نفس الليلة، وهم راجعين، مريم سألت سلمى: — "إنتي عمرك خفتي؟"
سلمى سكتت لحظة، وبعدين قالت: — "كل يوم… بس الفرق إني ما بسيبش الخوف يقرر مكاني."
مريم ابتسمت وقالت: — "أنا عايزة أبقى زيك."
سلمى بصت لها بحنان: — "لا… خليكِ أحسن مني."
والسنين كملت، والهنجر بقى مكان مش بس لإصلاح الطيارات… لكن لإصلاح حيوات. كل بنت أو ولد جاي من الشارع، من اليأس، من اللاشيء، كان بيلاقي فرصة.
وسلمى كل مرة كانت بتفتكر أول يوم ليها… وهي واقفة عند الباب، محدش شايفها، إلا واحد بس قرر يسمع.
وفي آخر يوم من السنة، وهي واقفة لوحدها في الهنجر بعد ما الكل مشي، بصت للمحركات اللي ساكتة، وابتسمت وقالت بصوت واطي: — "أنا لسه بسمعكم… ولسه بتتكلموا.
وكان واضح إن الحكاية دي… لسه مخلصتش.