رواية كاملة عشا عائلي من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

لما وصلت عند بيت أهلي الساعة 6 إلا 10 ومعايا بنتي ليلى عندها 6 سنين، كانت قاعدة ورا بتغني وبترزع بجزمتها في الكرسي من الفرحة. نور المدخل كان منور، ومن شباك الصالة شفت الحركة جوه.. ناس شايلة أطباق الأكل، وجوز أختي بيفتح قزازة حاجة ساقعة، وابن أختي المراهق ميت على نفسه من الضحك وهو ماسك الموبايل.
المفروض إنه عشاء عيلة عادي يوم الأحد. أختي ميادة بعتتلي رسالة من يومين تعالي الأحد الساعة 6، ماما عاملة فراخ محمرة. لا إيموجي ولا كلمة حلوة، بس ده العادي بتاعها. من ساعة ما اطلقت من سنة، وميادة بتعاملني بالشوكة والسكينة وبحساب قوي. المهم ليلى كانت طول اليوم بترسم رسمة لجدها، وأنا عملت صينية بسبوسة بالليمون اللي بابا بيحبها.
يا دوب بفك حزام الأمان ل ليلى، لقيت باب البيت اتفتح، وأمي خرجت وقفلت الباب وراها براحة.
قلبي قبضني.
نزلت من على السلم وهي مربعة إيدها، ومبصتش ل ليلى الأول كالعادة.. بصتلي بنظرة باردة وناشفة وقالت
مكنيش المفروض تيجي النهاردة.
مبقتش مصدقة ودني، قلتلها ميادة هي اللي عزمتني!
ردت عليا مكنيش المفروض تعمل كدة.. النهاردة العشاء للعيلة القريبة بس.
بصيت لها بذهول ما أنا عيلة قريبة!
بوزت وقالت متصعبيش الموضوع بقى.
من ورايا سمعت صوت ليلى من باب العربية ماما.. هندخل ولا لأ؟
وشي سخن من كتر الإحراج والدموية غليت في عروقي. أمي بصت ناحية العربية وبعدين بصتلي ووطت صوتها كأنها بتشفق عليا مش النهاردة.. كدة أحسن للكل.
كدة أحسن؟
بصيت من ورا كتفها على البيت اللي كبرت فيه، والأنوار الدافية، والسفرة اللي مرصوصة لناس أنا مش منهم. هزيت راسي وسكت، لأني لو فتحت بقي كنت هقول كلام ملوش رجعة.
حطيت

صينية البسبوسة على الكرسي اللي في المدخل، وركبت العربية ومشيت.
ليلى سألتني هي تيتة زعلانة ليه؟ قلتلها الخطط اتغيرت وهنروح ناكل فرايد تشيكن وبطاطس. سكتت وصدقتني ببراءة الأطفال اللي فاكرين إن الكبار دايما عارفين بيعملوا إيه.
بالظبط بعد 9 دقائق، الموبايل رن.
بابا.
فتحت الاسبيكر وقلت أيوة يا بابا.
زعق في الموبايل إنتي فين؟
قلتله أنا على الطريق العمومي.
قال بصوت زي السكينة لفي العربية وارجعي حالاً.
مسكت الدريكسيون جامد وقلت يا بابا مش هرجع عشان أتهان تاني.
رد وصوته يقطع الحديد إنتي مش هترجعي عشان تتهاني.. إنتي هترجعي عشان ده بيتك، وأنا خلاص مش هسكت على الهبل ده تاني.
لفيت العربية ورجعت.
دخلت البيت وأنا ماسكة إيد ليلى، كل الكلام على السفرة وقف. بابا كان واقف على راس السفرة وإيده على الخشب، وأمي واقفة مخشبة جنب النيش، وميادة وشها بقى أصفر زي الليمونة.
بابا بص لهم وقال بصوت هادي ومرعب أكتر من الزعيق بما إنكم بتحبوا الترتيبات اللي من ورا الضهر، فخلوني أقول اللي حصل قدام الكل.. إيمان وبنتها اتطردوا النهاردة عشان ميادة عايزة تطلب مني 200 ألف جنيه، ودينا وافقت إن إيمان هتعكنن الجو لو حضرت.
محدش نطق.
طلع موبايله وقال وكمان قريت الرسايل اللي مراتي بتقول فيها على بنتي إنها تكسف عشان مطلقة، وميادة بتقول إن ليلى حركتها كتير على السفرة. فاسمعوا بقى اللي هيحصل لو إيمان وبنتها مش مرحب بيهم في العيلة دي، يبقى لا شيكاتي ولا مساعدتي ولا سكوتي مرحب بيهم هنا.
أمي وشها جاب ألوان وفضيت ملامحها من الصدمة.
ميادة حاولت تتكلم، بس مفيش كلمة طلعت.
بابا شاور على الكرسي الفاضي اللي جنبه وقال
اقعدي يا إيمان.. إنتي
وليلى تاكلوا الأول. والباقي يقعدوا يقرروا إذا كانوا يستاهلوا يفضلوا في البيت ده ولا لأ.
قعدت وأنا ساندة ضهري، وإيدي لسه بترعش وهي ماسكة الشوكة، ليلى كانت قاعدة بتاكل ومبسوطة ولا فاهمة حاجة من النظرات اللي بتترشق في الصالة.
أمي حاولت تقرب من بابا، وصوتها مهزوز يا عبده، إنت فاهم غلط، أنا كنت بس عايزة الدنيا تمشي هادية عشان...
قاطعها بكلمة واحدة عشان إيه؟ عشان تكسري بخاطر بنتك في بيت أبوها؟
بص لميادة اللي كانت بتبص في طبقها ومنزلة عينها في الأرض، وقالها وال 200 ألف جنيه اللي كنتِ جاية تشحطيهم عشان تجددي عفش بيتك، انسي إنك تشوفي منهم مليم. اللي يبيع أخته عشان منظره قدام الناس، ملوش عندي غير الباب.
جوز ميادة حاول يلطف الجو يا عمي، حصل خير، إحنا...
بابا خبط على السفرة خبطة خلت الأطباق ترن مسمعش صوتك! إنت كنت قاعد وشايف مراتك وهي بتطرد أختها وساكت، يبقى ملكش كلمة هنا.
السكوت كان تقيل قوي، لدرجة إني كنت سامعة صوت مضغ ليلى للبطاطس. أمي بدأت تعيط، بس بابا متهزش، بص لي وقال بلهجة حنينة لأول مرة من يوم طلاقي كلي يا إيمان.. واطلعي أوضتك القديمة، حاجتك لسه فيها زي ما هي. البيت ده هيفضل مفتوح لك، واليوم اللي بنتي متكونش فيه هي صاحبة البيت، يبقى أنا ماليش لزمة فيه.
ميادة قامت من على السفرة وهي بتعيط ومنهارة، وأمي دخلت المطبخ وهي مخبية وشها. فضلت أنا وبابا وليلى لوحدنا.
بابا قعد، وبص لليلى وابتسم وريني بقى الرسمة اللي رسمتيها لجدو يا حبيبتي؟
ليلى طلعت الورقة المطبقة من جيبها وفردتها، كانت رسامة بابا وهو ماسك إيدها.
بابا بص للرسمة، وعينه لمعت بالدموع، وبصلي وقال حقك عليا يا بنتي.. اتأخرت في الرد،
بس من هنا ورايح، مفيش حد يقدر يرفع عينه فيكي طول ما أنا عايش.
في الليلة دي، نمت في أوضتي القديمة وأنا حاسة لأول مرة من سنة إني مش لوحدي، وإني مش حمل تقيل على حد. أما ميادة وأمي، ففهموا إن البيت ده مبيتبنيش بالفلوس ولا بالمنظر قدام الناس، البيت ده بيتبني بالأصل.. واليوم ده كان آخر يوم حد فيهم يتجرأ يهمس بكلمة تجرحني.
الجو في البيت كان مشحون بطريقة تخنق، ميادة وجوزها لموا حاجتهم ومشيوا من سكات وهم باصين في الأرض، وماما فضلت حابسة نفسها في الأوضة ومش قادرة توري وشها لبابا ولا ليا.
بابا فضل قاعد معايا في الصالة بعد ما ليلى نامت، كان سرحان في الشاي بتاعه، وفجأة قال لي
عارفة يا إيمان.. أنا اللي غلطت من الأول. لما سكت لميادة وهي بتتعالى عليكي، ولما سبت أمك تمشي كلامها في البيت بحجة إنها عايزة مصلحة الكل. بس إنها توصل بيهم يطردوكي من بيت أبوكي عشان شوية مظاهر كدابة؟ دي اللي مكنتش هعديها أبداً.
بصيت له وقلت له وصوتي مخنوق أنا كنت حاسة إني غريبة يا بابا، كنت بحس إني عالة على العيلة لمجرد إني اطلقت، كأن السعادة دي حكر على اللي متجوزين بس.
بابا مسك إيدي وضغط عليها مفيش حد عالة في بيتي. المطلقة دي بنتي، والمنفصلة دي شرفي، وليلى دي حتة من قلبي. اللي يزعلك يزعلني، واللي يرفض وجودك يرفض وجودي.
تاني يوم الصبح، أمي خرجت من أوضتها، عينيها كانت ورمة من العياط. حاولت تفتح كلام وهي بتعمل الفطار، قالت بصوت واطي أنا كنت فاكرة إن كدة هريحك من كلام ميادة السخيف..
بابا رد عليها وهو بيلبس ساعته تريحيها بإنك ترميها في الشارع؟ تريحيها بإنك تكسري قلب طفلة جاية تجري على حضن جدها؟ يا دينا، الكلمة اللي تكسر بنتي،
تكسر علاقتي بيكي.
من اليوم ده، الوضع اتغير
 

تم نسخ الرابط