رواية كاملة عشا عائلي من حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


تماماً. ميادة حاولت تصالحني بعدها بأسبوع، بس بابا اشترط إنها تعتذر لي قدام جوزها وأولادها كلهم، وتعرف إن مفيش مليم هيدخل جيبها إلا لما علاقتها بيا تتعدل بجد مش تمثيل.
أنا اتعلمت إن البيت مش بس حيطان، البيت هو الضهر اللي بنتسند عليه لما الدنيا تلطش فينا. وبابا كان هو الضهر ده، اللي أثبت لي إن بنت الأصول حقها مبيضعش، حتى لو أقرب الناس ليها حاولوا يهمشوها.
خدت ليلى ورحنا الجنينة، وبصيت للسما وأنا مرتاحة.. لأول مرة من سنة، مش شايلة هم بكره، ولا خايفة من نظرة حد، لأن البيت اللي خرجت منه مكسورة، رجعت له وأنا ملكة بكلمة من أبويا.
مرت كذا شهر على اليوم ده، والحياة في البيت شكلها اتغير تماماً. بابا مراجعش نفسه في قراره، وفضل متمسك بإن البيت ده له كبير بيعرف يوزن الأمور.
ميادة حاولت كذا مرة تيجي وتدخل البيت كأن شيئاً لم يكن، بس بابا كان حاسم الاعتذار مش كلمة بتتقال يا ميادة، الاعتذار فعل.. وإنتي وجوزك لازم تفهموا إن إيمان وليلى خط أحمر. وبالفعل، ميادة اضطرت لأول مرة في حياتها إنها هي اللي تيجي وتطلب رضاي، وتتكلم معايا باحترام مكنتش بشوفه منها قبل كده.
أما أمي، فبقت قريبة مني ومن ليلى بشكل مختلف. كأنها كانت محتاجة فوقة عشان تفتكر إن بنتها المطلقة مش وصمة عار، دي إنسانة شالت حمل ميهدوش جبال، ومحتاجة حضن مش نقد. بقت تقعد مع ليلى بالساعات، تذاكر لها وتحكي لها

حكايات، وبدأت صينية البسبوسة بالليمون تطلع من الفرن كل أسبوع مخصوص عشان بابا وعشاني.
في يوم، كنت قاعدة مع بابا في البلكونة بنشرب شاي، قالي جملة عمري ما هنساها
يا بنتي، الناس بتبني بيوتها من الطوب، بس إحنا بنبني بيوتنا بالرحمة. لو الرحمة ضاعت بين الإخوات، يبقى الطوب ده ملوش لازمة يقع أحسن.
أنا دلوقتي بدأت أرجع لشغلي، وبقيت بخرج وأدخل وأنا راسي مرفوعة. مبقتش أخاف من نظرة المجتمع، لأن البيت اللي سندني إداني مناعة ضد أي كلمة برا. ليلى كبرت وبقت عارفة إن جدها ده هو البطل بتاعها، والبيت ده هو المكان اللي مهما لفت الدنيا بيها، هتلاقي فيه مكانها المحجوز، ودفاها اللي مبيخلصش.
دي كانت النهاية لقصة وجع، وبداية لقصة عيلة عرفت قيمتها الحقيقية لما كانت هتضيع.. إن السند مش فلوس، السند هو إنك متتخلاش عن أهلك في أصعب لحظاتهم.
عدت سنة كاملة على اليوم ده، والنهاردة كان فيه عشاء عيلة تاني في نفس البيت. بس المرة دي الوضع كان مختلف تماماً.
ميادة كانت واقفة في المطبخ مع أمي بتساعدها، ولما دخلت أنا وليلى، ميادة هي اللي جريت علينا وسلمت بحرارة وقالت ل ليلى تعالي يا حبيبة عمتو، شوفي جبتلك إيه!
بصيت لبابا اللي كان قاعد في ركنه المفضل وبيبتسم وهو شايف المشهد. بابا نفذ وعده، وفعلاً مكنش بيصرف مليم واحد على تجديد شقة ميادة إلا لما لقى إن علاقتها بيا بقت بجد، مش مجرد تمثيل عشان
الفلوس.
على السفرة، بابا قعد في مكانه المعتاد، بس المرة دي شاورلي أقعد جنبه على طول، وليلى الناحية التانية. الجو كان فيه دفا حقيقي، مش دفا المصابيح والأنوار. أمي وهي بتحط الأكل، بصتلي وقالت قدام الكل تسلم إيدك يا إيمان على صينية البسبوسة اللي عملتيها، باباكي مبيحبش ياكلها غير من إيدك.
ميادة اتكلمت وهي بتبص في الأرض باحترام إحنا كنا غلطانين يا إيمان، واليوم اللي بابا وقفنا فيه عند حدنا كان أهم درس اتعلمناه.. إن العيلة سند لبعضها في الحلوة والمرّة، مش في المظاهر بس.
بابا خبط على السفرة براحة وقال الحمد لله إنكم عرفتوا إن البيت ده مبيكبرش غير بالحب. والنهاردة بمناسبة الجمعة الحلوة دي، أنا قررت أكتب الشقة اللي في الدور التاني باسم ليلى، عشان تفضل دايمًا عارفة إن ليها مكان ثابت وسند مش هيتزحزح.
الكل بارك، والمرة دي كانت المباركة طالعة من القلب. ليلى قامت باست راس جدها، وأنا حسيت إن جبل كان على صدري وانزاح.
خرجنا من السهرة دي وإحنا مش بس شبعانين أكل، إحنا كنا شبعانين رضا. عرفت إن الضربة اللي متبكيش بتقوي، وإن السند لما بيجي من الأب، بيخلي البنت تمشي في وسط الدنيا وهي حاسة إنها ملكة، مهما كانت ظروفها.
ودي كانت نهاية الحكاية.. إن الحق بيرجع لأصحابه، والقلوب الصافية هي اللي بتكسب في الآخر.
بعد العشاء، قعدنا كلنا في الصالة بنشرب الشاي، والجو كان فيه هدوء غريب
بس مريح. بابا طلع من جيبه علبة قطيفة صغيرة وفتحها قدام ليلى، كان فيها سلسلة ذهب رقيقة فيها صورة صغيرة ليها وهي معاه. ليلى فرحت جداً وحضنته، وبابا بص لي وقال دي ذكرى عشان تفضل فاكرة إنها غالية عند أغلى الناس.
أمي قربت مني ووشوشتني سامحيني يا بنتي، كنت فاكرة إن الدنيا مظاهر وشكليات، بس عرفت إن ضحكتك وراحة بالك بالدنيا وما فيها. في اللحظة دي، حسيت إن الشرخ اللي كان في علاقتنا بدأ يلمّ فعلاً.
ميادة وجوزها استأذنوا عشان يمشوا، وقبل ما تخرج، ميادة حضنتني وقالت لي إحنا عازمينكم الجمعة الجاية عندنا، ومن غير مناسبة.. بس عشان نلم الشمل بجد. هزيت راسي بالموافقة وأنا حاسة إن المية بدأت ترجع لمجاريها.
لما طلعت أوضتي أنا وليلى، وقفت قدام المراية وبصيت لملامحي.. مكنتش شايفة الست المطلقة اللي الناس بتبص لها بشفقة، كنت شايفة ست قوية، وراها ضهر وسند، وعندها بيت حقيقي بيرحب بيها في أي وقت.
ليلى نامت وهي ماسكة السلسلة في إيدها، وأنا فتحت الشباك وبصيت للسما.. الهوا كان بارد ومنعش، وحسيت إن الفصل الحزين من حياتي اتقفل للأبد. النهاردة مكنش مجرد عشاء، النهاردة كان يوم رد الاعتبار.
نمت وأنا مطمنة، وعارفة إن بكرة هيكون أحلى، مش عشان الظروف اتغيرت، بس عشان أنا اتغيرت، وعرفت قيمتي في عيون اللي بيحبوني بجد. ودي كانت نهاية الحكاية، نهاية بتقول إن الحق والعدل والرحمة هما اللي
بيفضلوا في الآخر.

 

تم نسخ الرابط