رواية كاملة
أعرف.
قلت له وأنا بلف بكرسي المكتب عارف يا باسم، دي مشكلتك.. إنك بتقيس الناس بفلوسهم، ولما افتكرتني فقيرة، مكنتش بتشوفني بني آدمة أصلاً. البروتوكول رقم 7 ده مش بس تجميد حسابات، ده فسخ كل عقود الإيجار، وسحب العربيات، ورفع قضية تزوير في ميزانية الفرع اللي كنت ب تديره.
وقع على ركبه قدامي هنتشرد يا كاسيا.. أمي ست كبيرة، مش هتستحمل الشارع.
قربت منه وهمست في ودنه أنا مش هرميكم في الشارع.. أنا كريمة أكتر منكم. هسيب لكم شقة في منطقة شعبية، نفس المنطقة اللي دولت كانت بتعايرني إني جاية منها.. وعربية نص نقل تقضوا بيها مصالحكم.. والباقي؟ استعوضوا فيه ربنا.
صرخ وهو بيحاول يلمس طرف مكتبي حرام عليكي! ده ابني اللي في بطنك!
بصيت له بكل قوة وقلت له ابني هيتربى وهو عارف إن أمه ست قوية، وإن أبوه كان مجرد درس اتعلمت منه إني ما أثقش في حد.. ابننا هيعيش في عز، بس عز أنا اللي بانياه بشقايا، مش بفلوس ناس بتدلق مية ساقعة على الغلابة.
شورت للأمن خرجوه بره.. وجهزوا ورق الطلاق النهائي، مش عوزاه يلمس اسمي تاني.
باسم خرج وهو بيجر أذيال الخيبة، وأنا سندت ضهري على الكرسي، حطيت إيدي على بطني وقلت بهدوء خلاص يا حبيبي.. حقنا رجع، والنهاردة بس.. بدأنا نعيش.
عدى أسبوع على الليلة دي، والخبر انتشر في السوق زي النار في الهشيم.. إمبراطورية عز الدين وقعت في
كنت قاعدة في جنينة بيتي الجديد، الصمت اللي حواليا كان هو الراحة اللي محتاجاها. دخل عليا رأفت ومعاه أوراق قضية النفقة والطلاق.
قال لي وهو مبتسم باسم بعت محامي يطلب تسوية.. مستعد يتنازل عن كل حاجة مقابل إنك تسحبي قضية التزوير وتصرفي له معاش شهري يعيش منه هو ووالدته.
شربت بق من عصير البرتقال وقلت له ببرود التسوية مرفوضة يا رأفت.. القانون ياخد مجراه. أنا مش بظلمهم، أنا بس بخليهم يدفعوا تمن اللي عملوه. اللي يمد إيده على ست حامل ويذلها، ملوش عندي غير العدل.. والعدل بيقول إن اللي سرق من الشركة يتحاسب.
فجأة، موبايلي رن.. كان رقم دولت. رديت وفتحت السبيكر.
صوتها كان مهزوم ومكسور، مفيش فيه ذرة من الاستعلاء بتاع زمان كاسيا.. يا بنتي.. إحنا ملناش غيرك.. باسم حالته تصعب على الكافر، وجاسمين سابته أول ما عرفت إن الحسابات اتقفلت.. سامحينا، إحنا غلطنا في حقك وفي حق حفيدنا.
رديت عليها بنبرة هادية بس قاطعة يا دولت هانم.. المسامح هو ربنا. بس أنتي علمتيني درس مهم أوي الليلة اللي دلقتي فيها المية عليا.. علمتيني إن المقام مش بالفلوس، المقام بالأصل.. وأنا أصلي مبيسمحليش أهين حد، بس كمان مبيسمحليش أسيب حقي. ابنك هيخرج من الأزمة دي بني آدم جديد.. أو يمكن يفضل زي ما هو، دي مشكلته مش مشكلتي.
قفلت السكة في وشها قبل ما ترد.
بصيت للسما
قمت وقفت ودخلت القصر بتاعي، وبدأت أجهز أوضة المولود.. الأوضة اللي هتكبر فيها روح جديدة، بعيد عن الغل والحقد والتكبر.
باسم ودولت دلوقتي عايشين في الشقة اللي سبتهالهم، شقة بسيطة في حي شعبي.. باسم اشتغل موظف حسابات بسيط في شركة صغيرة، ودولت بقت هي اللي بتغسل هدومها بإيدها بعد ما كانت بتحدف الجرادل على الناس.
أما أنا.. ففتحت مؤسسة خيرية باسم ابني، هدفها حماية الستات اللي بيتعرضوا للظلم والابتزاز.. عشان مفيش ست تانية تضطر تستنى بروتوكول 7 عشان تاخد حقها.
دي كانت نهايتهم.. ودي كانت بدايتي. بدايتي كأم، وكصاحبة قرار، وكست مصرية عرفت تأدب اللي افتكر إن كسرها سهل.
بعد شهر، كانت الأمور استقرت تماماً. الشركة رجعت أقوى من الأول، واسمي كاسيا بقى يتهز له الشنابات في السوق، بس المرة دي كصاحبة الإمبراطورية الحقيقية مش مجرد الموظفة المتخفية.
في يوم، وأنا براجع التقارير في مكتبي، السكرتيرة بلغتني إن في طرد وصل لبيتي القديم والمحامي جابهولي هنا. فتحت الطرد، لقيت فيه فستان فرح مقطوع ومنقوع في مية وسخة.. ومعاه ورقة مكتوب فيها بخط إيد باسم دمّرتي حياتنا، ربنا مش هيبارك لك في اللي في بطنك.
رأفت كان واقف، وشه احمرّ من الغضب وقال ده تعدي صريح وتهديد! أنا هرفع قضية حالاً
رفعت إيدي بهدوء وقلت له اهدى يا رأفت.. الضعيف هو اللي بيصرخ وبيبعت رسايل غل.. القوي بيبني. سيبه يحرق في نفسه، هو دلوقتي بيعيش الجحيم اللي كان بيحاول يعيشني فيه.
رميت الورقة والفستان في باسكيت الزبالة، وقمت وقفت قدام الشباك الإزاز اللي كاشف القاهرة كلها.
قلت لنفسي يا باسم، أنت لسه مش فاهم.. البركة مش في الفلوس، البركة في الرضا وفي الحق.
في نفس اللحظة، جالي إشعار على الموبايل من المستشفى.. موعد السونار الأخير.
روحت المستشفى، وأنا داخلة شفت جاسمين خطيبته السابقة واقفة في الطابور بتاع الكشف المجاني، شكلها كان مبهدل، وشها شاحب، وأول ما شافتني حاولت تستخبى ورا شنطتها المقطوعة.
بصيت لها بابتسامة شفقة، وطلعت مبلغ من شنطتي واديته للممرضة وقلت لها الحالة اللي واقفة هناك دي، حسابها كله مدفوع.. وقوليلها إن فاعل خير بيقولك الدنيا دوارة، فخليكي حنينة المرة الجاية.
ركبت عربيتي، ورجعت قصرى. وأنا داخلة، لقيت العمال بيفرشوا سجاد جديد، حرير يدوي، ألوانه تفتح النفس.
بصيت لبطني وطبطبت عليها وقلت شوفت يا حبيبي؟ الدنيا بقت نضيفة حوالينا.. مفيش مية تلج، ومفيش قلوب سودة.. مفيش غيرنا، وإمبراطوريتنا اللي هنكبرها سوا.
باسم ودولت فضلوا عبرة لكل واحد يفتكر إن الفلوس بتدي له الحق يذل خلق الله.. وأنا فضلت كاسيا، الست اللي حولت جردل المية لسيل
تمت.