امومه تنتقم حكايات صافي هاني
في جنازة أبويا وأمي، جوزي وبكل برود حط ورقة الطلاق في إيدي وقالي: "مضي وإنتي ساكتة، مابقاش ليكي حد يحميكي خلاص". وبعدها أخد بنتي واختفى مع واحدة غنية. بعد أربع سنين، وبعد ما بقيت مليونيرة، جالي تليفون.. وسمعت صوت بنتي وهي بتهمس: "ماما الحقيني.."
أنا اسمي أمل، وأسوأ يوم في حياتي بدأ في المدافن تحت سما رمادية كئيبة. كنت لسه دافنة أبويا وأمي بعد حادثة طريق راحت ضحيتها هما الاتنين في ليلة واحدة. بنتي "ليلى" اللي عندها سبع سنين كانت ماسكة في العباية السودة بتاعتي وأنا بحاول بس أصلب طولي. وقبل ما آخر واحد من المعزيين يمشي، "ياسين" جوزي وقف قدامي وناولني ظرف تقيل.
قالي بصوت واطي: "امضي على ورقة الطلاق دي".
بصيت له وأنا مذهولة، كنت فاكرة إن من كتر الحزن سمعت غلط: "النهارده؟ في جنازة أبويا وأمي يا ياسين؟"
ياسين ولا اتهز: "إنتي دلوقتي ملقية، والديون اللي سابوها بقت فوق كتافك، وأنا مش هشيل شيلتك أكتر من كده".
وفجأة ظهرت واحدة "شيك" نازلة من عربية مرسيدس كانت راكنة بره، لابسة نضارة شمس وبراندات وماشية بتبتسم كأنها في حفلة مش في عزا. ياسين مسك إيد ليلى، فالبنت سألته: "بابا، إحنا رايحين فين؟"
رد عليها: "هتيجي معايا، وهتعيشي عيشة أحسن بكتير".
وقعت على ركبي في الطين وأنا بترجاه: "يا ياسين حرام عليك، البنت محتاجة أمها".
قرب مني وهمس بغل: "إنتي الشهر الجاي مش هتلاقي تمن الإيجار
وقبل ما أقدر أعمل حاجة، كان ركبها العربية، وشفتها وهي حاطة إيدها على الشباك وبتصرخ وبتمسح دموعها وهي شايفة أمها بتبعد. بلغت البوليس، بس اكتشفت إن ياسين كان ممضيني على أوراق حضانة مؤقتة وأنا مش فايقة، في الأيام اللي كنت سهرانه فيها بمرض أبويا قبل ما يموت. المحامي قالي إن القضية محتاجة فلوس كتير وأنا مكنتش أملك مليم.
خلال أسابيع، شقتي ضاعت، واشتغلت ورديتين في مطعم شعبي، وكنت بنام في أوضة فوق السطوح وأعيط كل ليلة على مخدتي. بس الوجع ساعات بيبقى طاقة.. أبويا الله يرحمه كان معلمني الحسابات، وأمي علمتني الصبر والأصول. استغليت كل ساعة فراغ إني أدرس عقارات وبورصة وتجارة أونلاين، وكنت بحوش القرش على القرش.
بعد أربع سنين، بقيت صاحبة شركة عقارات وعندي عمارات وفلوس مكنتش أحلم بيها. المجلات كانت بتكتب عني "المرأة العصامية"، والمستثمرين بيجروا ورايا. بس كل ده مكنش له قيمة طول ما ليلى بعيدة عني.
وفي ليلة مطرة، موبايلي الخاص رن برقم غريب.
رديت، وسمعت صوت صغير بيرتعش وهو بيهمس: "ماما.. أرجوكي الحقيني".
قلبي وقع في رجلي أول ما سمعت صوتها. "ليلى؟ حبيبتي إنتي فين؟"
الصوت كان بيقطع، ووراها كان فيه صوت زعيق عالي وجهوري.. صوت ياسين. "بتكلمي مين يا بت؟ هاتي التليفون ده!" وبعدها الخط قطع.
محستش بنفسي غير وأنا بكلم "مراد"، المحامي بتاعي وأجدع واحد وقف جنبي في رحلة صعودي. قولتله
ساعتين والوقت كان بيمر كأنه سنين، لحد ما مراد بعتلي اللوكيشن. كان في فيلا قديمة في طرف المدينة، بعيد عن الأضواء. ركبت عربيتي وسوقت زي المجنونة، وأنا في الطريق كنت بسترجع شريط الذل اللي عيشته، وقلت لنفسي: "زمان كنتِ ضعيفة يا أمل، لكن دلوقتي معاكي القوة والفلوس، ومحدش هيقدر يقف في وش أم بتسترد ضناها".
وصلت قدام الفيلا، الباب كان موارب. دخلت لقيت المنظر اللي كسر قلبي.. ليلى قاعدة في ركن، هدومها قديمة ووشها باهت، وياسين واقف قدام الست اللي اتجوزها—اللي باين عليها إنها خسرت كل فلوسها وشكلها بقى مبهدل—وهما عمالين يصرخوا في بعض بسبب الديون.
أول ما شافني، ياسين اتصدم: "أمل؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ وإيه العربية اللي واقفه بره دي؟"
مردتش عليه بكلمة، روحت جراي على بنتي وخدتها . ليلى كانت بتترعش وبتقول: "ماما، كنت عارفة إنك هتيجي.. هما كانوا بيعاملوني وحش يا ماما".
ياسين حاول يقرب: "انتي فاكرة إنك بفلوسك هتاخديها؟ دي بنتي وبقوة القانون.."
قاطعته وأنا بطلع ملف من شنطتي ورميته في وشه: "قانون إيه يا ياسين؟ الملف ده فيه تقارير بتثبت إنك ضيعت فلوس الست دي في القمار، وفيه صور وفيديوهات بتثبت إهمالك لليلى، والوكيل اللي كان ممضيني على ورق الحضانة زمان؟ اعترف بكل حاجة مقابل إنه ميتحبسش".
بصتله بنظرة
ياسين وقف مكانه مشلول، والست اللي معاه بدأت تصرخ فيه وتلومه. أخدت ليلى في إيدي، وخرجت بيها للنور، وفي قلبي عهد إني عمري ما هخليها تحتاج لمخلوق، وإن حق أبويا وأمي اللي ضاع هيرجع بكل قرش كسبته بشرفي وتلعبي.
بصيت للسما وقلت: "الحمد لله.. الضنا رجع، والحق مبيضيعش".
بعد ما خرجت من الفيلا مكنتش قادرة أصدق إن الكابوس ده انتهى. ركبتها العربية وكنت حاسة إن روحي هي اللي رجعتلي مش بس بنتي.
ياسين خرج ورايا يجرّي، وشه كان أصفر ومنهار: "أمل! استني يا أمل.. إحنا ممكن نتفاهم، أنا مكنتش أقصى عليكي كده إلا عشان الظروف، والديون كانت خانقاني!"
بصيت له من شباك العربية بنظرة كلها احتقار وقلت له بكلمتين: "الظروف دي كانت اختبار لمعدنك، وإنت سقطت فيه من أول لحظة. اللي يرمي مراته في جنازة أهلها ويخطف بنتها عشان الفلوس، ملوش مكان وسط البني آدمين. روح يا ياسين.. المحاكم بيني وبينك، بس المرة دي وأنا اللي معايا القوة".
طلعت بالعربية وليلى كانت نايمة من كتر التعب والخوف. أول ما وصلت بيتي—قصري اللي بنيته بعرقي—دخلتها أوضتها اللي كنت مجهزاهالها من سنين، وكأني كنت عارفة إن اليوم ده جاي لا محالة.
تاني يوم الصبح، المحامي مراد