امومه تنتقم حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


"يا ست أمل، ياسين والست اللي معاه عليهم أحكام شيكات من غير رصيد، والبنك حجز على كل اللي يملكوه. وفي خلال 48 ساعة، هصدر حكم نهائي بفسخ الحضانة عنه تماماً بسبب سوء المعاملة والبيئة غير الآمنة".
​حسيت ساعتها إن ربنا جابلي حقي تالت ومتلت. الفلوس مكنتش هي السعادة، بس كانت الوسيلة اللي قدرت بيها أحمي بنتي وأقف على رجلي.
​ليلى صحيت ونزلت تجري عليا،  وقالتلي: "ماما، مش هتمشي تاني وتسبيني؟"
بست راسها وقلت لها: "ده أنا أهد الدنيا وما يسقطش منك شعرة واحدة يا قلب أمك. إحنا هنبدأ حياة جديدة، حياة فيها ربنا وفيها الأصول اللي جدك وجدتك علموهالي".
​ومن يومها، وهبت جزء كبير من ثروتي لعمل دار لرعاية الأيتام والأرامل، عشان مفيش ست تانية تكسرها الظروف زي ما حصل معايا. وعرفت إن اللي بيتوكل على الله وبيصبر، ربنا بيفتح له أبواب مكنش يتخيلها.
​ياسين انتهى في السجون، وأنا وليلى بدأنا نعيش بجد.. والوجع اللي كان نار بتحرقني، بقى هو النور اللي بينور طريقي.
مرت الشهور، وليلى بدأت ترجع لطبيعتها، ضحكتها اللي كانت غايبة رجعت تنور البيت تاني. وفي يوم، وأنا قاعدة في مكتبي بتابع حسابات الشركة، دخل عليّ "مراد" المحامي ومعاه ملف صغير.
​حطه قدامي وقالي: "يا ست أمل، ياسين بعت جواب من السجن.. طالب يقابلك هو والست اللي

معاه، بيقولوا إن عندهم سر لازم تعرفيه عن حادثة أبوكي وأمكي الله يرحمهم".
​قلبي انقبض.. حادثة الطريق؟ أنا طول عمري فاكرة إنها قضاء وقدر. روحت السجن وأنا رجلي بتترعش، وقفت قدامه من ورا السلك. كان شكله مبهدل، وشعره شايب، وعينه مكسورة.
​ياسين بص في الأرض وقال بصوت مخنوق: "أنا عارف إني مش هخرج من هنا، وعارف إن ذنبك وذنب ليلى بياكل فيّ.. بس لازم تعرفي الحقيقة عشان ضميري يرتاح. الست اللي كنت معاها، مكنتش مجرد واحدة غنية عرفتها بعد الجنازة.. دي كانت السبب في الحادثة".
​دمي اتجمد في عروقي: "إنت بتقول إيه؟"
​كمل وهو بيعيط: "هي كانت عايزة تخلص من أبوكي عشان كان ماسك عليها ثغرات في شغلها القديم وتلاعب بالورق، هي اللي زقت عليهم العربية النقل في ليلة المطر.. وأنا كنت عارف ومخبي عشان كانت واعداني بالفلوس والشركة لو خلصت منك إنتي كمان بالطلاق وخدت البنت".
​قمت وقفت والنار قايدة في صدري، مكنتش شايفة قدامي. مكنتش مجرد خيانة زوجية، دي كانت مشاركة في قتل! طلعت من السجن ركبت عربيتي ورحت لمراد: "يا مراد، افتح ملف قضية الحادثة من جديد.. أنا مش عايزة تعويض، أنا عايزة حبل المشنقة يلتف حوالين رقبتهم".
​وبالفعل، بفلوسي ونفوذي وقبلهم عدل ربنا، قدرت أوصل لشهود العيان والDriver اللي نفذ العملية وهرب زمان. وفي خلال
شهور، القضية اتحولت من حادثة طريق لجناية قتل عمد.
​يوم النطق بالحكم، كنت واقفة في المحكمة ولابسة أبيض، وبنتي ليلى في إيدي. القاضي نطق بحكم الإعدام للياسين والست اللي معاه.
​بصيت لليلى وقلت لها: "دلوقتي بس يا بنتي، جدك وجدتك يقدروا يرتاحوا في تربتهم".
​خرجت من المحكمة، وزعت صدقات جارية على روحهم، وبنيت مسجد كبير باسمهم. وعرفت إن "الظلم ظلمات يوم القيامة"، وإن ربنا لو أمهل الظالم، مش هيهمله أبدًا.
​أنا "أمل"، اللي بدأت من المدافن ووصلت للقمة، مش بالفلوس، لكن بالحق اللي رجع لأصحابه. ودلوقتي، أنا وليلى بنعيش في أمان الله، وكل ليلة قبل ما ننام بنقرأ الفاتحة للي راحوا، وإحنا عارفين إن "بشر الصابرين" مكنتش مجرد كلمة، دي كانت وعد من رب العالمين وحققهولي

بعد الحكم، الدنيا هديت وبدأت حياتي تاخد شكل جديد خالص. مبقتش "أمل المليونيرة" وبس، بقيت "أمل" اللي الناس بتقصدها في جبر الخواطر.
​وفي يوم، ليلى كانت قاعدة بتذاكر، وفجأة سابت القلم وبصتلي وقالت: "ماما، هو بابا كان شرير قوي كده ليه؟ هل أنا ممكن أطلع زيه؟"
​سحبتها وقلت لها: "يا حبيبتي، البني آدم بيختار طريقه بقلبه مش بدمه. إنتي طالعة لأبويا وأمي، طالعة للأصول والشرف. وبعدين يا ليلى، اللي حصل ده كان درس لينا عشان نعرف إن ربنا كبير، وإن مهما كان

الليل طويل، الفجر لازم يطلع."
​قررت إني أصفي كل أعمالي اللي فيها شبهة أو طمع، وركزت شركتي في بناء بيوت للي مش قادرين، بأسعار رمزية، صدقة عن روح أهلي.
​وفي يوم افتتاح مجمع سكني جديد للأرامل، جالي راجل عجوز، وشه فيه هيبة وصلاح، قالي كلمة عمرها ما هتفارق ودني: "يا بنتي، إنتي مش بس بنيتي بيوت من طوب، إنتي بنيتي قصور في الجنة بصبرك على الابتلاء."
​مرت السنين، وليلى كبرت وبقت عروسة زي القمر، ودخلت كلية الحقوق عشان تدافع عن المظلومين اللي زينا زمان. وفي يوم تخرجها، وقفت قدام الدفعة كلها وقالت: "أنا بهدي نجاحي ده لأمي، اللي علمتني إن الست مش بفلوسها ولا بجمالها، الست بوقفتها وقت الشدة وبإيمانها إن حقها عند ربنا مش بيضيع."
​وأنا واقفة وسط الناس، حسيت بروح أبويا وأمي حواليا، كأنهم بيبتسموا لي وفخورين باللي وصلتلوا. بصيت للسما وقلت: "يا رب، لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. بدأت في المدافن بدموع، ونهيت في النور بضحكة بنتي."
​قصتي مش قصة انتقام، دي قصة "إيمان". إنك لو سلمت حمولك لربنا واشتغلت بضمير، هيخلي اللي كسروا قلبك يشوفوا نجاحك وهم في قمة ذلهم.
​وعشنا أنا وبنتي في راحة بال، بنرقد كل ليلة وإحنا ضامنين إن مفيش حد ليه عندنا حق، وإن "الطيبون للطيبات"، وإن ربنا دايمًا بيدي الصابرين أكتر
مما اتمنوا بكتير.
​تمت.

تم نسخ الرابط