عدت من جديد حكايات صافي هاني
أبويا وأمي بصوا لي بصة كلها جفاء وقسوة، وقالوا لي: "إنتي ضيعتي تعب العمر.. من النهاردة إنتي مش بنتنا." وبعدها.. رموني في الشارع.
السنة دي كنت لسه في أولى ثانوي في قرية صغيرة تبع المنصورة. كان عندي حلم إني أكون مهندسة كبيرة، بس في لحظة طيش مراهقة، مضيت على وصل أمانة لواحد نصاب ضحك عليا باسم الحب والزواج، وسحب قرشين أهلي اللي كانوا محوشينهم عشان يجهزوا أختي الكبيرة. الفضيحة في البلد مكنتش فضيحة شرف، كانت فضيحة "خيانة أمانة" وغباء خلى أبويا يخسر أرضه وسمعته وسط التجار.
أهلي بقوا بيبصوا لي كأني عدو.. "وطيتي راسنا في الطينة وخسرتينا شقانا.. من هنا ورايح لا إنتي بنتنا ولا نعرفك." كل كلمة من أبويا كانت زي القلم على وشي.
ليلتها كانت الدنيا بتمطر مطر شديد، أمي رمت شنطتي القديمة في الحوش وزقتني بره البيت.. ماكنش في جيبي مليم أحمر، ولا كان ليا حتة أروحها. فضلت ماشية والندم بياكل قلبي، ببعد عن البيت اللي كان أماني الوحيد.. وما بصيتش ورايا ولا مرة.
رحلة الصعود من الصفر
سكنت في أوضة إيجار بسيطة في أطراف القاهرة. ماكنش معايا حد من أهلي، ولا حد يسندني.. مفيش غير صوت المطر ووجع بيقطع في قلبي. اشتغلت جرسونة في مطعم صغير في السيدة زينب.. الصبح أخدم على الزبائن، وبالليل أسهر أذاكر منازل عشان أخد الشهادة وأعوض اللي ضاع.
وأخيراً.
بدأت أبيع حاجات أونلاين: إكسسوارات وشغل هاند ميد.
فتحت محل صغير.. ثم براند عالمي.. ثم شركة استيراد وتصدير.
بعد 10 سنين، بقى عندي سلسلة محلات.
وبعد 20 سنة.. ثروتي تخطت المليارات.
كنت عارفة إني وصلت لمكانة محدش يتخيلها، بس الوجع إن أهلي اتخلوا عني في عز حاجتي ليهم عمره ما راح.
لحظة المواجهة
قررت إني لازم أرجع، مش عشان أسامحهم.. لا، عشان أوريهم البنت اللي رموا شنطتها في المطر بقت مين. راكبة العربية المرسيدس، ورجعت بلدي. البيت كان لسه واقف مكانه، بس متهالك وشكله يقبض القلب.
وقفت قدام الباب، وخبطت تلات خبطات جامدين.
فتحت لي بنت، عندها حوالي 18 سنة. اتسمرت مكاني.. كانت شبهي لدرجة ترعب: نفس العينين، وحتى نفس الملامح الحزينة اللي كانت فيا زمان.
"إنتي عايزة مين يا طنط؟" البنت سألتني بكل أدب.
قبل ما أرد، أبويا وأمي طلعوا. أول ما شافوني، اتخشبوا مكانهم. أمي عينها احمرت، وأبويا وشه بقى أبيض زي الورقة.
ابتسمت ببرود وقلت لهم: "دلوقتي عرفتوا قيمة اللي رمتوها في المطر؟"
بس فجأة، البنت جريت على أمي، مسكت إيدها جامد، وبصت لي باستغراب وقالت كلمة هزت كياني كله:
"ماما.. مين الست دي اللي شبهي بالظبط؟ وإيه اللي جابها لبيتنا يا عمتي؟"
ماذا تغير؟
السبب: تحول من "حمل غير شرعي" إلى "خسارة مالية فادحة ونصب"
النهاية: غيرتُ صلة القرابة في الجملة الأخيرة لتبدو كأن البنت هي ابنة أختها (التي تشبهها) أو ابنة أخوها، مما يفتح باباً لغموض جديد حول من تكون هذه الفتاة ولماذا تنادي أمها بـ "عمتي".
تلك الكلمة كانت كافية لتجعل الأرض تدور بي. "عمتي"؟ نظرتُ إلى أمي التي انهمرت دموعها أخيراً، ثم إلى أبي الذي انحنى ظهره وكأنه يحمل جبال الدنيا فوق كتفيه.
اقتربتُ من الفتاة بخطوات مهتزة، سألتها بصوت يرتجف: "إنتي قولتي لها يا عمتي؟"
ردت الفتاة بدهشة: "أيوه.. دي عمتي اللي ربتني بعد ما بابا وماما اتوفوا في حادثة من 15 سنة.. إنتي مين؟"
هنا، نطق أبي بصوت مخنوق بالندم: "دي أخت أبوكي يا بنتي.. دي اللي كان المفروض تكون سندنا، وإحنا اللي قطعنا السند بإيدينا."
الحقيقة المرة
اتضح لي في تلك اللحظة أن القسوة التي عوملت بها لم تكن مجرد غضب لحظي، بل كانت سلسلة من الانهيارات. بعد رحيلي:
أخويا الوحيد (سندي اللي كنت فاكرة إنه هيكبر ويحميني) اتجوز وخلف البنت دي، لكنه مات هو ومراته وسابوا البنت يتيمة لأهل مكسورين مادياً ومعنوياً.
أبويا وأمي صرفوا كل ما يملكون، حتى البيت كان مرهوناً للبنك، عشان يربوا "بنتي" (ابنة أخويا) اللي هي النسخة التانية مني، وكأنهم
المواجهة الأخيرة
فتحتُ شنطتي، وأخرجتُ أوراقاً رسمية. لم تكن مجرد أوراق، كانت عقود ملكية للبيت وللأراضي المجاورة له، كنت قد اشتريتها سراً عن طريق وسطاء قبل وصولي بشهر.
رميت الأوراق على الطاولة القديمة وقلت وصوتي يتهدج:
"أنا جيت النهاردة عشان أطردكم من البيت زي ما طردتوني.. جيت عشان أشتري ذكرياتي اللي سوفتوها بالتراب."
ساد صمت رهيب.. الفتاة (بنت أخويا) بصت لي بعيون مليانة دموع وقالت: "لو كنتي غنية زي ما باين عليكي، فإحنا أغنى منك بكتير.. إحنا عندنا بعض، وإنتي معندكيش غير الورق ده."
نقطة التحول
نظرتُ إلى القصر الذي أملكه في القاهرة، وإلى سيارتي الفارهة، ثم نظرتُ إلى أمي التي ترتدي ثياباً بالية لكنها ابنة أخي بحنان لم أذقه منذ عشرين سنة.
أدركتُ في تلك اللحظة أن "الـ 200 مليار" لم تشترِ لي لحظة أمان واحدة كالتي تعيشها هذه اليتيمة في بيتنا المتهالك.
النهاية:
لم أطرد أحدًا.. ولم أعلن انتصاري.
تركتُ لهم عقود الملكية، وركبتُ سيارتي. وبينما كنتُ أغادر القرية، نظرتُ في المرآة ورأيتُ "نور" الصغيرة (ابنة أخويا) وهي بتجري ورا العربية وبتنادي: "يا عمتي.. استني! البيت بيتك!"
نزلت دمعة واحدة مسحتْ وجع عشرين سنة.. وقررتُ إن دي مش نهاية حكايتي، دي بداية لعودة "بنت المنصورة" لأهلها،