عدت من جديد حكايات صافي هاني
وقفتُ بالسيارة على جُنب الطريق الترابي بعيداً عن البيت بضع أمتار.. قلبي كان بيدق بعنف، وصوت البنت وهي بتنادي "يا عمتي" لسه بيرن في وداني كأنه جرس صحاني من غيبوبة القوة والمال.
نزلت من العربية، المرة دي مش بغرور "سيدة الأعمال"، المرة دي نزلت وأنا حاسة إني "بنتهم" اللي تايهة بقالها سنين. مشيت لغاية ما وصلت للبنت، كانت واقفة بتنهج، وعينيها بتلمع بدموع بريئة خالية من أي غرض.
سألتها بصوت واطي: "انتي اسمك إيه؟"
قالت لي بابتسامة مهتزة: "اسمي أمل.. وجدي كان دايماً بيقولي إن اسمي هو الحاجة الوحيدة اللي مصبراه على الدنيا."
بصيت وراها، لقيت أبويا وأمي واقفين عند باب البيت، ساندين على بعض، كأنهم شجرتين عجوزة بيميلوا لبعض عشان ما يقعوش. الوجع اللي كان في قلبي بدأ يتحول لشفقة.. القسوة اللي شوفتها منهم زمان كانت "جهل" وخوف من كلام الناس، لكن السنين أدبتهم أكتر مما كنت أتمنى.
لحظة الغفران
دخلت البيت ورا "أمل".. ريحة البيت هي هي، ريحة الخبيز والتراب المبلول، بس الحيطان كانت بتشتكي من الفقر. قعدت على الكنبة القديمة، وأبويا قعد قدامي، مكسور العين، مش قادر يرفع عينه في عيني.
قلت
رد بكلمة واحدة قطعت قلبي: "الخوف يا بنتي.. الخوف كان أعمى، وعمانا معاكِ. لما أخوكي مات وساب لنا أمل، عرفنا إن ربنا بيعاقبنا على اللي عملناه فيكِ.. وبقينا بنشوفك فيها كل يوم."
أمي قربت مني، ولمست إيدي بخوف، كأنها خايفة أتنفض منها. لما لقيتني ثابتة،
القرار الأخير
قمت وقفت، وفتحت شنطتي.. طلعت تليفوني وكلمت السكرتير بتاعي:
"اسمعني كويس.. في خلال ساعة تكون أكبر شركة مقاولات في المنصورة هنا قدام البيت القديم. البيت ده هيتهد ويتبني مكانه قصر، والأرض اللي حواليه تترد لأصحابها، وأي حد في البلد دي ليه مليم عند أبويا يتسدد بفايدة."
قفلت الخط وبصيت لأمل وقلت لها:
"يا أمل، أنا مش بس عمتك.. أنا السند اللي كان ناقصك. ومن النهاردة، مفيش حد في البلد دي هيقدر يرفع عينه فيكم."
النهاية
مبقتش "نور" الجرسونة، ولا "نور" سيدة الأعمال القاسية.. رجعت "نور" بنت المنصورة اللي قدرت تحول وجعها لقوة تحمي بيها اللي فاضل من ريحة أهلها.
المال فعلاً ما بيشتريش السعادة، بس لما بيتحط في إيد "مظلوم" قرر يسامح، بيبني بيوت كانت
"مشيت من البيت ده وأنا مطرودة في المطر.. ورجعت له وأنا الشمس اللي بتنور عتمته."
مرت الشهور، والبيت المتهالك مابقاش مجرد ذكرى حزينة، بقى خلية نحل. القصر اللي وعدت ببنيه بدأ يعلى، بس المرة دي الحيطان ماكانتش مبنية من طوب وأسمنت بس، كانت مبنية من محاولات حقيقية لترميم الشروخ اللي جوانا.
كنت بقعد مع "أمل" كل يوم، أحكي لها عن مشواري، مش عشان أتفاخر بفلوسي، لكن عشان أعلمها إن الدنيا مهما قست، الشخص هو اللي بيختار يكون "ضحية" أو يكون "بطل".
المفاجأة
في يوم، وأنا براجع حسابات الشركة في الجنينة الجديدة، لقيت أبويا جاي ناحيتي وهو ماسك علبة قطيفة قديمة ومتربة. قعد جنبي بإيد بتترعش وفتحها.
كانت "الساعة" بتاعته اللي كان بيعتز بيها، وصورة ليا وأنا صغيرة في أول يوم مدرسة.
قال لي بصوت واطي: "عارف إن المليارات اللي معاكي تجيب ألف ساعة زي دي، وتشتري البلد كلها.. بس أنا كنت شايل دول عشان لما أموت، أمل تدور عليكي وتديهم لك، وتقولك إن صورتك ما فارقتش جيبي يوم واحد."
في اللحظة دي، الغضب اللي كان جواه زي الجمرة انطفى تماماً. عرفت إن "العودة" ماكانتش
نور وأمل: المستقبل
قررت أعمل أكبر مؤسسة خيرية في المنصورة، وسميتها "مؤسسة نور الأمل".
المؤسسة دي مخصصة لتعليم البنات اللي بيواجهوا ظروف صعبة.
فتحت ورش لتعليم الحرف اليدوية، نفس الشغل اللي بدأت بيه وأنا في أوضتي الـ 8 متر.
أمل بقت هي اللي بتدير الفرع ده، وشوفت فيها نفسي بس بنسخة سعيدة، نسخة ما شافتش الشارع ولا جربت الجوع.
المشهد الختامي
يوم افتتاح القصر، البلد كلها كانت واقفة تتفرج. الأعيان والتجار اللي كانوا زمان بيبصوا لأهلي بشماتة، بقوا يتمنوا بس إني أبص لهم.
وقفت في البلكونة الكبيرة، لابسة فستان بسيط مش غالي، وجنبي أبويا وأمي وأمل. بصيت للسما اللي كانت بتمطر مطر خفيف، نفس المطر اللي طردوني فيه من 20 سنة.
بس المرة دي، مكنتش حاضنة بطني وخايفة.. المرة دي كنت فاتحة إيدي للمطر بابتسامة، وقلت بصوت مسموع:
"يا رب.. شكراً إنك خليتني أتكسر، عشان لما أتبني، أكون قوية كفاية إني أسند كل اللي بيقعوا."
أمي قربت مني وحطت شال على كتفي وقالت لي: "سقعانة يا بنتي؟"
رديت عليها وأنا ببوس إيدها: "لأ يا أمي.. أنا عمري ما
تمت.