كانو بيتريقوا عليا

لمحة نيوز

“بصي يا كاميليا… يا حبيبتي يا أختي، كلنا اتجوزنا. كلنا بقينا في بيوت وعندنا رجالة، وإنتِ لسه واقفة في فرح أختك بفستان بسيط من العتبة. لحد إمتى يا كاميليا؟ بجد لحد إمتى؟
عارفة؟ أنا بصعب عليّا حالك. والله بصعب عليّا. كلنا كنا زي بعض… نفس المدرسة، نفس الكلية، نفس البلد. كلنا اتحركنا وبدأنا حياتنا… إلا إنتِ. لسه مستنية إيه بالظبط؟
يا كاميليا أنا بحبك، وإنتِ عارفة كده. جوزي جابلي عربية أول ما اتخطبنا، وإنتِ لسه بتقولي مش مستعجلة!”
ردّت كاميليا بهدوء وهي بتحاول تبتسم:
“أنا فرحانة لكم كلكم… والله فرحانة من قلبي.”
كانوا بيتريقوا عليها عشان لسه مش متجوزة.
ضحكوا على لبسها… على شنطتها… على هدوءها وصبرها.
قالوا إنها متأخرة… وإن القطر فاتّها.
لكن اللي حصل بعد كده… خلّى الكل يسكت.
أربع بنات… من نفس البلد… لكن كل واحدة اختارت طريق مختلف لحياتها.
وسؤال واحد كان بيطاردهم كلهم:
“هتستني قد إيه لحد ما تعيشي الحياة اللي فعلًا شبهك؟”
الطريق اللي راجع لبلدهم في المنيا كان دايمًا له نفس الريحة…
ريحة التراب بعد الحر، وريحة الأكل الطالع من البيوت من بدري، والدخان الخفيف اللي مالي الشوارع وقت المغرب.
ريحة بلد عمرها ما كانت بتقف تستنى حد… بلد عايشة بقوانينها وأحكامها من زمان، وهتفضل

كده سواء رجعتلها أو سبتها.
كاميليا سندت راسها على شباك الأتوبيس وهي بتبص على البيوت القديمة اللي الشمس كانت بتلمع فوق سطوحها.
جنبها كانت نرمين ماسكة الموبايل ومش بطّالة كتابة ورسائل، وضوافرها الطويلة بتخبط على الشاشة بسرعة.
وفي الكرسي اللي قدامهم، آية نايمة ورأسها ميلة على جنب بعد تعب السفر.
أما شيماء فكانت طالعة البودرة من شنطتها وبتظبط ميكابها قبل ما يوصلوا، كأن البلد كلها مستنياها تتفرج عليها.
أربع صحاب… أربع شهادات… وبلد كاملة مستنية تحكم عليهم.
الأتوبيس وقف أخيرًا عند الموقف، والدوشة بدأت فورًا.
أمهات بتنادي على عيالها، سواقين بيشدوا الناس على العربيات، وتكاتك بتعدّي وسط الزحمة بجنون.
لكن وسط كل ده… كاميليا كانت حاسة بحاجة تانية.
ضغط خفي… إحساس تقيل كأن في عاصفة جاية.
حست بالإحساس ده أول ما الناس عرفت إنها رجعت من غير شغل.
وحست بيه أكتر في صوت خالتها وهي بتكلمها الأسبوع اللي فات.
“طيب ناوية تعملي إيه بقى؟ خطتك إيه؟”
ماقالتش حتى “حمد لله على السلامة”.
ولا “مبروك التخرج”.
أول سؤال كان: الخطة.
نزلت كاميليا من الأتوبيس وشالت شنطتها وسط التراب والزحمة.
شارع السلام ماكانش اتغير من أربع سنين.
نفس عربية الكبدة على الناصية، ونفس الحفرة اللي كل سنة يقولوا هيصلحوها
ومابيحصلش.
ونفس البيوت اللي البناء وقف فيها في النص، كأنها حكايات ناقصة مستنية حد يكملها.
والناس… دايمًا الناس.
قاعدين قدام البيوت وقت المغرب، بيتفرجوا على اللي رايح واللي جاي، بعينين مليانة فضول وكلام مستخبي.
خلال أول يومين من رجوعها، كاميليا سمعت نفس الأربع أسئلة لدرجة إنها بقت تحفظ ترتيبهم:
“وصلتي إمتى؟”
“كنتي في كلية إيه؟”
“لقيتي شغل؟”
“هتتجوزي بقى إمتى؟”
آخر سؤال كان دايمًا ييجي بسرعة… أسرع من أي حاجة.
كأنه أصل الكلام، وكل اللي قبله مجرد تمهيد.
وكان ردها دايمًا هادي:
“كل حاجة بوقتها.”
لكن ستات الشارع ماكانوش بيحبوا الإجابة دي.
وأول واحدة قالت اللي الكل بيفكر فيه بصراحة كانت شيماء… لأنها طول عمرها بتقول أي حاجة في دماغها من غير تزيين.
كانوا قاعدين في أوضة آية، الأربع صحاب متجمعين زي زمان.
نرمين متمددة على السرير، وآية قاعدة ضامة رجليها، وشيماء قاعدة على كرسي بلاستيك جابته من الصالة.
أما كاميليا فكانت قاعدة على الأرض وسندة ضهرها على الدولاب.
المشهد كان شبه زمان جدًا…
لكن الحقيقة… ماكنش زي زمان خالص.

شيماء بصّت لكاميليا بنظرة طويلة وهي بتقفل علبة البودرة بعصبية خفيفة، وقالت وهي رافعة حاجبها:
— بصّي… أنا هقول اللي كل الناس بتقوله من وراكي وخلاص.
إنتِ مستنية

إيه؟
يعني بجد… مستنية إيه يا كاميليا؟
الأوضة سكتت فجأة.
آية بصّت لشيماء بضيق: — مالِك يا شيما؟ سيبي البنت في حالها.
لكن شيماء كملت: — لأ، ما هو لازم حد يفوقها! إحنا عندنا ٢٤ سنة، نرمين اتخطبت، وأنا متجوزة، وآية أهلها بيجهزوا لها… وكاميليا؟
ولا شغل، ولا جواز، ولا حتى مشروع واضح.
نرمين رفعت عينيها من الموبايل وقالت بنبرة أهدى: — هي بس مختلفة عننا شوية.
ضحكت شيماء بسخرية: — مختلفة؟ دي خايفة تعيش أصلًا.
كاميليا ما ردّتش فورًا.
فضلت ساكتة شوية… وبعدين قالت بهدوء: — يمكن.
يمكن فعلًا بخاف.
بس بخاف أعيش حياة مش شبهي أكتر.
الجملة وقفتهم كلهم لحظة.
لكن شيماء هزّت كتفها: — الحياة مش هتستنى حد يا حبيبتي.
في اللحظة دي، صوت الزغاريد طلع من الشارع.
الفرح اللي كانوا راجعين عشانه بدأ.
البلد كلها كانت هناك.
الستات لابسة ألوان صارخة، والرجالة واقفين في دواير يدخنوا ويتكلموا بصوت عالي، والأغاني الشعبية هزّت الشارع كله.
كاميليا كانت ماشية وسط الناس بهدوء، حاسة إن كل العيون عليها.
“دي لسه ما اتجوزتش.”
“دي اللي كانت متفوقة زمان صح؟”
“أمال فين شغلها الكبير؟”
الكلام كان بيتقال بصوت واطي… لكنه كان بيوصل.
وفجأة، خالتها أمسكت دراعها.
— تعالى يا كاميليا، في حد عايز يشوفك.
دخلت بيها ناحية
الترابيزة الكبيرة اللي عليها كبار العيلة.
وهناك… شافت راجل غريب.

 

تم نسخ الرابط