كانو بيتريقوا عليا
في أواخر التلاتينات، لابس بدلة شيك وساعته واضحة إنها غالية، وشكله هادي جدًا.
خالتها ابتسمت بفخر: — البشمهندس رامي. شغال في القاهرة وعنده شركة مقاولات كبيرة.
مراته توفت من سنتين… ويدوب بيدوّر على بنت محترمة.
كاميليا فهمت فورًا.
اتجمدت ابتسامتها.
رامي مد إيده بأدب: — تشرفت بمعرفتك.
سلمت عليه بخجل بسيط.
وخالتها سابتهم فجأة لوحدهم بشكل مستفز وواضح جدًا.
رامي بصّ لها شوية وقال: — واضح إنك متضايقة.
— أصل الموقف محرج شوية.
ابتسم: — متقلقيش… أنا محرج أكتر منك.
استغربت.
قال بهدوء: — أمي وخالتي مصرّين أتجوز تاني بأي طريقة. تقريبًا لو شافوني واقف جنب أي بنت بيعتبروا دي علامة من السما.
ضحكت كاميليا لأول مرة بصدق.
وكانت ضحكة خفيفة جدًا… لكنها مختلفة.
رامي لاحظ ده.
— إنتِ خريجة إيه؟
— تجارة إنجليزي.
— وبتشتغلي؟
سكتت لحظة: — لسه.
هز راسه بتفهم، من غير نظرة شفقة.
وده كان غريب عليها.
لأن كل الناس كانت تبصلها وكأنها مشروع فاشل
لكن هو… كان بيتكلم معاها كإنسانة عادية.
وفجأة، وسط الزحمة والصوت العالي، سألها سؤال غريب:
— هو إنتِ فعلًا عايزة تتجوزي؟
اتلخبطت.
— يعني… أكيد في يوم من الأيام.
— لا، قصدي… عايزاها فعلًا؟
ولا بس خايفة من كلام الناس؟
السؤال دخل جواها بشكل مرعب.
لأنها لأول مرة… ماعرفتش تجاوب.
عدّى أسبوع.
ثم اتنين.
ورامي بدأ يكلمها كل يوم تقريبًا.
مش كلام حب.
ولا غزل.
كان بيسألها عن الكتب اللي بتحبها، وعن ليه بطلت ترسم، وليه دايمًا بتحاول ترضي الناس.
وفي مرة قالها: — إنتِ عندك مشكلة كبيرة يا كاميليا.
ضحكت: — واحدة بس؟
قال: — إنتِ مستنية إذن تعيشي.
الجملة فضلت ترن في دماغها أيام.
وفي نفس الوقت… حياة صحابها بدأت تكشف وش تاني.
نرمين، اللي كانت بتتباهى بخطيبها طول الوقت، اكتشفت إنه بيكلم بنت تانية.
آية اتفسخت خطوبتها بعد ما خطيبها طلب منها تسيب شغلها نهائي.
أما شيماء… فكانت كل يوم ترجع بيت أهلها تبكي بسبب خناقات جوزها وضربه
لكن قدام الناس؟
كانوا كلهم “مبسوطين”.
والبلد صدّقت الصورة.
زي دايمًا.
في ليلة هادية، كانت كاميليا قاعدة فوق السطح تبص للسما، لما أمها طلعت لها.
قعدت جنبها بهدوء.
وقالت: — زعلانة؟
— شوية.
سكتت أمها لحظة، ثم قالت: — أنا عمري ما كنت خايفة إنك تتأخري في الجواز.
كاميليا بصتلها بدهشة.
ابتسمت أمها بحزن: — كنت خايفة تتجوزي غلط… بس عشان الناس تسكت.
عين كاميليا دمعت لأول مرة من شهور.
وأمها مسكت إيدها: — اسمعي مني… الوحدة مش إنك تبقي من غير راجل.
الوحدة الحقيقية إنك تعيشي مع حد مايشوفكيش.
بعدها بشهرين، حصلت المفاجأة اللي قلبت البلد كلها.
كاميليا سافرت القاهرة.
لكن مش عشان الجواز.
ولا عشان رامي.
سافرت عشان شغل.
شركة كبيرة قبلتها بعد كورس كانت بتذاكره سرًا طول الشهور اللي فاتت.
ولأول مرة… بدأت تحس إنها بتبني حياة فعلًا.
الناس اتكلمت طبعًا.
“البنت سابت بلدها.”
“أكيد هتتجوز الراجل الغني.”
“البنات اللي تعيش لوحدها في القاهرة
لكن كاميليا المرة دي… ما اهتمتش.
وفي يوم، بعد سنة كاملة، رجعت البلد.
لكن رجوعها ماكانش زي أول مرة.
نزلت من العربية بثقة هادية.
لابسة بسيط… لكن بعينين مختلفة.
عينين واحدة أخيرًا عرفت هي مين.
الناس اتجمعت تسلم عليها.
ونفس الستات اللي كانوا بيهمسوا عليها زمان، بقوا يسألوا بناتهم: — ما تيجوا تتعلموا من كاميليا؟
أما شيماء… فحضنتها وهي بتعيط بعد ما خلعت دبلة جوازها أخيرًا.
ونرمين بدأت شغل أونلاين بعد ما سابت خطيبها الخاين.
وآية رجعت تكمل دراستها.
أربع بنات… كل واحدة فيهم اكتشفت متأخر إن الحياة مش سباق.
وإن الجواز مش نجاة.
وإن أسوأ حاجة ممكن تعملها في نفسك… إنك تعيش العمر كله بتحاول تبقى نسخة ترضي الناس.
وفي آخر ليلة قبل ما كاميليا ترجع القاهرة، رامي قابلها عند النيل.
بصلها مبتسم وقال: — ها؟
لسه مستنية؟
ابتسمت كاميليا أخيرًا… وقالت: — لأ.
أنا بدأت أعيش فعلًا.
وبعد سنة…
البلد كلها اتفاجئت بخبر جواز كاميليا.
لكن
الصدمة… إنها كانت أول واحدة فيهم تدخل الجواز وهي فعلًا سعيدة.