ام تباع في مزاد علني حكايات صافي هاني
ابني عرضني في مزاد علني ب 2 دولار في حفلة خيرية، وهزر قدام 300 ضيف وقال مين يشتري أمي المملة؟ فضلت ساكتة لحد ما غريب قام من آخر القاعة وقال اتنين مليون دولار. واللي قاله بعد كده خلى ابني يوقع الميكروفون من إيده...
م نطقتش لما القاعة كلها ضحكت، لأن الوجع ساعات بيبقى تقيل لدرجة إنه بيخنق صوتك قبل ما ينزل دموعك. كنت قاعدة تحت أضواء القاعة، وإيدي في حجري، وحاسة إن كل كاس كريستال وكل موبايل مرفوع في الفندق ده متصوب ناحيتي.
اسمي مريم. عندي اتنين وسبعين سنة، وعايشة لوحدي في حي هادي، الصبح فيه بيعدي ببطء، والناس لسه عارفين بيوت بعض. أنا ست بسيطة، لسه بشيل مناديل زيادة في شنطتي، وبخد معايا جاكيت في كل حتة عشان قاعات الحفلات بتبقى سقعة، ولسه بصدق إن لما ابنك يقولك يا ماما ثقي فيا، المفروض تصدقيه.
وده كان أول غلطة ليا.
ابني جرجس قالي إن الحفلة دي عشان جمعية خيرية للأطفال، وإنهم هيكرموني عشان دعمي ليهم. بعتلي عربية، واختارلي فستان أزرق عمري ما كنت هختاره لنفسي، وجاب حد يعملي شعري لحد ما مكنتش عارفة نفسي في المراية. لبسني عقد في رقبتي وقال وهو بيضحك دلوقتي شكلك شيك.
شيك.
كان المفروض أفهم إن فيه حاجة غلط لما كانت مراته مارينا عمالة تظبط كمامي كأني مانيكان في محل مش حماتها. بس قلت لنفسي إني حساسة زيادة. جرجس قضى سنين بيبني صورته قدام الناس؛ غدا مع المتبرعين، صور ب شيكات كبيرة، وصوته الهادي قدام الكاميرات. افتكرت إن الليلة دي بجد عشان الأطفال، مش عشانه هو.
بعدين مسك الميكروفون وخلاني أنا النكتة.
كان
جرجس شاور عليا وهو بيضحك
مين يشتري أمي المملة ب اتنين دولار؟
القاعة كلها انفجرت ضحك.
مش ضحك مجاملة، ولا ضحك استغراب. ضحك بجد، ضحك مريح، من النوع اللي بينتشر عشان محدش عايز يبان إنه مش فاهم الهزار. مارينا حطت إيدها على بوقها كأنها مصدومة، بس أنا شوفت نظرة عينيها؛ كانت مستمتعة بكل لحظة.
وجرجس كمل.
هزر وقال إن اللي هيكسب المزاد هياخد يوم كامل معايا. ممكن تطبخلكم، ممكن تحكي قصص قديمة، ممكن تخيطلكم حاجة لو إيدها مش بتترعش أوي. حتى هزر على مشيتي البطيئة في الركنة. الناس ضحكت أكتر. حسيت بوشي بيولع نار وافتكرت إني هقع من طولي على المسرح.
واحد من قدام رفع صباعين وقال اتنين دولار.
جرجس خبط بالشاكوش الخشب على التربيزة وهو بيضحك كأنه عمل أحلى نكتة في الليلة تباعت!
نفسي أقولكم إني قمت وخدت منه الميكروفون ولقنتهم درس مش هينسوه. بس الإهانة مش دايما بتخليك شجاع. ساعات بتخليك متسمر في مكانك. بتخلي الدنيا كلها عبارة عن دوشة وزحمة، وكل اللي بتتمناه إن اللحظة دي تخلص قبل ما تنهار قدام الغرباء.
فجأة، سمعت صوت كرسي بيتحرك في آخر القاعة.
صوت صغير، بس قطع كل الضحك ده.
راجل قام من آخر صف، في الحتة اللي الضلمة فيها مدارية العمال اللي شايلين الصواني. مكانش لابس لبس مبهرج زي الناس اللي جرجس بيحب يبهرهم. بدلة غامقة، كتاف عريضة، وشعر شايب من الجناب. كان هادي لدرجة
مبتسمش، ولا زعق. رفع إيده وبس وقال بصوت واضح زي الكريستال
اتنين مليون دولار.
الضحك مات فجأة.
أنا فاكرة السكوت ده أكتر من أي حاجة تانية. شوكة اتحطت على الطبق. حد كتم نفسه. حد همس قال اتنين مليون؟. حتى ضحكة جرجس اتغيرت؛ حاجة بسيطة بس كفاية إن أم تشوف إن السيطرة هربت من إيده.
حاول يضحك عشان يلم الموضوع
يا فندم، أظن حضرتك فهمت غلط، دي مجرد فقرة هزار خيرية.
بس الراجل كان بدأ يمشي ناحية المسرح.
مش بسرعة، ولا بغضب. كان واثق من نفسه.
ولما وصل للضوء، بصلي أنا الأول؛ مش كأني جزء من عرض، ولا كأني نكتة، ولا كأني ست عجوزة بتتباع للهزار. بصلي كأني إنسانة ليها قيمة.
بعدين لفت ل ابني.
وفي القاعة الساكتة دي، قدام التلت ميت شخص اللي مذهولين مش عارفين يتحركوا، فتح بوقه وقال أول جملة مسحت الضحكة تماماً من على وش جرجس...
الراجل وقف قدام جرجس وبص في عينه ببرود يجمّد الدم، والقاعة كلها بقت لدرجة إنك لو رميت إبرة تسمع رنتها. جرجس كان لسه ماسك الميكروفون وإيده بتترعش، والراجل قاله بكل هدوء
نزل الميكروفون ده.. أنت مِش بس متعرفش قيمة الست دي، أنت متعرفش هي عملت إيه عشان واحد زيك يلبس البدلة دي ويقف الوقفة دي.
جرجس وشه بقى ألوان، وحاول يتكلم يا فندم حضرتك أكيد بتهزر، دي أمي وأنا...
الراجل قاطعه وصوته رن في القاعة كلها
أنا مبهزرش. أنا سليم نصار.. وأظن الاسم ده لوحده كفاية يخليك تسكت خالص.
أول ما قال الاسم، القاعة كلها بدأت تهمس بذهول. سليم نصار ده كان أكبر رجل أعمال في البلد، شخصية
سليم كمل كلامه وهو باصص للناس
الست اللي أنتم بتضحكوا عليها دي، من 25 سنة، كانت بتشتغل ممرضة ورديتين ورا بعض عشان تعالج طفل غريب ملوش حد، طفل كان هيموت لولا إنها دفعت من جيبها وتبرعت بدمها وسهرت جنبه ليالي والكل اتخلى عنه.. الطفل ده كان أنا.
بص لجرجس باحتقار وقاله
أنا جيت هنا النهاردة لما عرفت إنها هتتكرم، بس مكنتش متخيل إن ابنها هو اللي هيهينها. الشيك ب 2 مليون دولار هيتكتب دلوقتي للجمعية، بس بشرط واحد.. إن اسمك يتشال من مجلس الإدارة، لأن الجمعية اللي بتهين الأمهات متلزمناش.
سليم قرب مني، وباس إيدي قدام الكل، وقالي بصوت واطي وحنين
قومي يا ست الكل.. المكان ده ميتشرفش بيكي، وبيتي مفتوح ليكي كأنك أمي اللي مخلفتنيش.
أنا قمت وأنا رافعة راسي، مش عشان الفلوس، بس عشان الكرامة اللي ابني حاول يكسرها، ربنا بعتلي اللي يجبرها في نفس اللحظة. سبت جرجس واقف في نص المسرح، وشه في الأرض، والميكروفون وقع من إيده فعلاً وطلّع صوت صفارة مزعجة غطت على كسفته قدام ال 300 ضيف.
سليم لسه ماسك إيدي، وبص لجرجس اللي كان واقف زي الصنم، وقاله
وعلى فكرة يا جرجس، العقد اللي أنت ملبسهولها ده، والبدلة اللي أنت فارد صدرك بيها، من فلوس الشركات اللي أنا بملك نص أسهمها.. ومن اللحظة دي، كل تعاملاتي مع شركاتك انتهت.
الصدمة كانت أكبر من إن جرجس يستوعبها. مارينا مراته حاولت تقرب وتلطف الجو يا سليم بيه، جرجس كان بيضحك، إحنا بنعز ماما مريم جداً...
سليم بصلها نظرة خلتها