ام تباع في مزاد علني حكايات صافي هاني
فوق رأسه، مش بيعرضه للبيع ب 2 دولار عشان شوية ضحك رخيص.
التفت لي وقال بابتسامة صافية يلا بينا يا أمي؟
خرجت من القاعة وأنا سانده على دراعه، وكل العيون اللي كانت بتضحك من شوية، دلوقتي بتبصلي بنظرة انبهار واحترام. واحنا ماشيين في الطرقة الطويلة بتاعة الفندق، شوفت جرجس في المراية وهو بيرمي الميكروفون على الأرض ويقعد على الكرسي وحاطط راسه بين إيديه، ومارينا واقفة جنبه بتزعق بصوت واطي وهي مرعوبة من اللي هيحصل في شغلهم.
لما ركبنا العربية، سليم قالي أنا بقالي سنين بدور عليكي يا ست مريم. لما كنت طفل في المستشفى، كنت فاكر إنك ملاك مش مجرد ممرضة. أنتِ اللي علمتيني إن القيمة مش في الفلوس، القيمة في الحنية. ودلوقتي جه دوري إني أرد ولو جزء بسيط.
طلبت منه يروحني بيتي الصغير اللي في الكل دي ساك الهادي. ولما وصلنا، نزل وفتح لي الباب، وقالي من بكرة، فيه حراسة هتكون قدام البيت، مش عشان يحميكي مني، بس عشان يمنعوا أي حد بايخ يحاول يجي يطلب السماح عشان مصلحته.
دخلت بيتي، قلعت الفستان الأزرق اللي كان خانقني، ولبست روبي القطن القديم. قعدت في بلكونتي وشربت شاي، ولأول مرة من سنين حسيت إني مش وحيدة.
جرجس حاول يتصل بيا أكتر من خمسين مرة في الليلة دي، وبعت رسائل اعتذار وطول الليل واقف قدام الباب بيعيط ويخبط.. بس أنا مكنتش محتاجة أرد.
لأن الدرس اللي خده قدام ال 300 ضيف، كان أقوى من أي عتاب ممكن أقوله. عرف إن الأم المملة اللي
نمت ليلتها وأنا مرتاحة، والسكوت في بيتي مكنش سكوت وحدة.. كان سكوت انتصار.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان الحي هادي زي عادته، بس قدام بيتي الوضع كان مختلف. جرجس كان لسه قاعد في عربيتو قدام الباب، وشه تعبان وعيونه منفوخة من قلة النوم. أول ما شافني بفتح الستارة، نزل من العربية وجري ناحية الباب، بس الحرس اللي سليم بعتهم منعوه يقرب خطوة واحدة.
زعق بصوت مخنوق يا ماما.. افتحي يا ماما، أنا مستقبلي بيضيع! سليم نصار سحب كل العقود، والبنوك بدأت تسأل عن القروض.. أبوس إيدك سامحيني، كنت بهزر!
فتحت الشباك وبصتله بكل هدوء، الهدوء اللي بييجي بعد ما العاصفة تهدّ كل حاجة قديمة
أنت مكنتش بتهزر يا جرجس.. أنت كنت بتوريهم إنك بقيت كبير لدرجة إن أصلك ملوش قيمة. أنت مبعتنيش ب 2 دولار، أنت بعت نفسك وبعت تربيتي ليك.
قفل الشباك في وش رجاءاته، ودخلت المطبخ أعمل قهوتي. موبايلي رن، كان سليم.
صباح الخير يا أمي. جهزتي لبسك؟
استغربت وقلتله لبس إيه يا سليم يا ابني؟
رد بصوت فيه فرحة النهاردة فيه افتتاح جناح كامل في المستشفى اللي كنتِ شغالة فيها، وهيتسمى جناح مريم ميلر لخدمة المحتاجين. وأنا اللي هكون فخور وأنا ماسك إيدك وبنقص الشريط سوا.
روحت معاه، وهناك شوفت الدكاترة والممرضات اللي يعرفوني واللى ميعرفونيش وهما بيستقبلوني
وسط الاحتفال، شوفت جرجس واقف بعيد، بيحاول يدخل بس الأمن منعه تاني. مارينا مراته مكنتش معاه، عرفت بعدين إنها سابته أول ما عرفت إن الحنفية اتقفلت والديون بدأت تتراكم.
بصيت لسليم وقلتله كفاية كده يا ابني.. أنا مش عايزة انتقام، أنا عايزة ستر.
سليم ابتسم وقالي ده مش انتقام يا ست الكل، ده عدل ربنا. اللي يدوس على السلم اللي طلعه، لازم يتعلم إزاي يقع ويقوم من غير مساعدة.
رجعت بيتي، وجرجس مكنش موجود. ساب لي ورقة تحت الباب مكتوب فيها عرفت قيمتك لما خسرت كل حاجة.. سامحيني.
مردتش عليه في وقتها، بس سيبت الباب موارب. مش عشان يرجع يكسر قلبي تاني، بس عشان لو في يوم اتعلم يعني إيه أصل، يلاقي طريق الرجوع.
أنا مريم ميلر، عندي 72 سنة، ولسه بشيل مناديل زيادة في شنطتي، وبحب الجاكيت في السقعة.. بس النهاردة، أنا أسعد واحدة في كولومبوس، مش عشان ال 2 مليون، بس عشان عرفت إن فيه قلوب لسه دهب مبيغيرهاش زمن.
بعد كام شهر، الدنيا هديت خالص. جرجس خسر شركته الكبيرة، وفيلا الزجاج اللي كان عايش فيها مابقاش قادر يدفع تمنها. مارينا رفعت عليه قضية طلاق وسابته في عز أزمته، ورجع يعيش في شقة صغيرة بالإيجار في مكان بعيد.
في يوم، كنت قاعدة في جنينتي، ولقيت عربية قديمة وقفت، ونزل منها جرجس. ماكانش لابس البدلة الغالية ولا الساعة اللماعة. كان
وقف قدام الحرس، ومن غير ما يزعق، بص للأرض وقالهم قولولها بس إني جايب الخضار اللي بتحبه، ولو مش عايزة تشوفني، خلوه معاكم.
أنا كنت شيفاه من ورا الشباك. قلبي وجعني، الأم مهما حصل بتفضل أم. شاورت للحرس يدخلوه. دخل وقعد على طرف الكرسي، وبدأ يعيط من غير صوت.
قالي يا ماما، أنا اشتغلت محاسب في شركة صغيرة، وبدأت من الصفر. سليم نصار كان عنده حق، أنا كنت محتاج القلم ده عشان أفوق. ال 2 دولار اللي هزرت بيهم، دلوقت بقيت بعرف قيمتهم وتمن التعب عشان أجيبهم.
بصيت له وقلتله يا جرجس، الفلوس بتروح وتيجي، لكن الكرامة لو راحت مابتتشرى بكنوز الدنيا. أنا سامحتك عشان أنا اللي ربيتك، بس مش هرجع أعيش معاك تاني. عيش حياتك، ابني نفسك بجد، وخليك راجل بيحترم الكبير قبل الصغير.
سليم نصار فضل يزورني كل أسبوع، وبقينا زي العيلة. وفي يوم الافتتاح السنوي للجناح الطبي، جرجس حضر، بس المرة دي كان قاعد في آخر صف، بعيد عن الأضواء، وكان بيصقف بحرارة وهو شايف صورة أمه محفورة على الرخام.
القصة مخلصتش بفلوس ولا بملايين، خلصت بإن كل واحد رجع لمكانه الطبيعي. الابن عرف إن أمه مش مملة، دي هي السند، والست البسيطة اللي كان الكل بيضحك عليها، بقت هي اللي الكل بيتمنى رضاها.
دي حكايتي.. حكاية مريم اللي علمت ابنها إن أغلى مزاد في الدنيا هو رضا الوالدين، وده ملوش