اعترافات طفلة

لمحة نيوز

طول الطريق للبيت البنت كانت ساكتة شوية وبعدين فجأة سألت بصوت بريء هو أنا لو كسرت حاجة تاني هاروح السجن برضه، الأب ضحك بخفة وقالها لا يا حبيبتي بس هتنضفي وراكي وتعتذري وخلاص، الأم بصت لها وقالت أهم حاجة تقولي الحقيقة على طول وماتخليش الخوف يكبر جواكي، البنت هزت راسها وكأنها بتحاول تحفظ القاعدة الجديدة دي في قلبها، ولما وصلوا البيت أول حاجة عملتها إنها جريت على مكان الكباية المكسورة اللي مامتها كانت لمّت بقاياها قبل ما يروحوا القسم وقعدت تبص على المكان الفاضي في الدولاب وقالت بحزن خفيف دي كانت حلوة قوي، الأم قعدت جنبها وقالت فعلاً كانت حلوة بس انتي أحلى منها بكتير، الجملة دي خلتها تبتسم لأول مرة ابتسامة كاملة من غير دموع، وعدت الأيام اللي بعد كده أهدى شوية لكنها ما كانتش عادية تمامًا لأن البنت بقت كل شوية تيجي تعترف بأي حاجة صغيرة قوي عملتها حتى لو وقعت لعبة أو خبّت شوكولاتة في جيبها، كانت بتيجي تقول أنا لازم أقول

الحقيقة عشان ما أبقاش وحشة، وفي مرة صحيت من النوم بالليل وجريت على أوضة مامتها وقالت أنا حلمت إن في كباية كبيرة قوي بتجري ورايا عشان تدخلني السجن، الأم حضنتها وقالت مفيش كبايات بتجري ومفيش سجن للي بيغلط بالغلط، ومع الوقت بدأ الخوف يتحول لفهم، وبدأت البنت تستوعب إن الغلط مش نهاية العالم وإن الاعتذار مش معناه إنك مجرم لكن معناه إنك شجاع، بعد أسبوع تقريبًا كانت ماشية مع باباها في الشارع وشافت عربية شرطة معدية، وقفت لحظة وبعدين لوّحت للظابط اللي جوه العربية وهو لوّح لها بابتسامة، بصت لوالدها وقالت هو الظباط مش بييجوا غير عشان الوحشين صح، قالها لأ يا روحي الظباط بييجوا عشان يساعدوا الناس ويحموهم، سكتت لحظة وبعدين قالت يعني لو حد وقع منه كباية هيساعدوه ينضفوها، الأب ضحك وقالها أيوه لو محتاج مساعدة أكيد، ومن اللحظة دي صورة الشرطة في دماغها اتغيرت خالص بقت شايفاهم ناس بتساعد مش ناس بتعاقب، في نفس الوقت الرقيب ميلر في القسم
ما قدرش ينسى الموقف، حكى لزمايله عن البنت اللي كانت مستعدة تعترف بجريمة الكباية وكأنها سرقة بنك، وكانوا كلهم متأثرين بالفكرة إن طفل صغير شايل الإحساس بالذنب بالشكل ده، فقرروا يعملوا يوم مفتوح للأطفال في الحي عشان يعرفوهم إن القسم مكان أمان، ولما العيلة عرفت بالفكرة خدوا بنتهم وراحوا، أول ما دخلت القسم المرة دي ما كانتش مستخبية ورا مامتها، كانت ماشية ورافعه راسها وبتبص حواليها بفضول مش بخوف، الرقيب شافها وابتسم وقالها رجعتي تاني يا بطلة، قالتله المرة دي أنا جاية أقولك إني ما كسرتش حاجة النهارده، ضحك وقالها شاطرة، قضت اليوم وهي بتلوّن رسمة عربية شرطة وبتسمع الظباط بيشرحوا للأطفال إزاي يساعدوا الناس، وفي آخر اليوم راحت للرقيب وقالتله أنا لما أكبر عايزة أبقى ظابطة عشان أقول للأطفال إنهم مش هيروحوا السجن عشان كباية، الجملة دي خلت عيون أمها تدمع من الفخر، الأيام بقت تمشي طبيعي والبنت كبرت سنة ورا سنة لكن قصة الكباية فضلت
حكاية تتحكي في كل تجمع عائلي، كانوا دايمًا يقولوا فاكرين لما راحت تعترف في القسم عشان كباية، وهي كانت تضحك بخجل وتقول كنت فاكرة نفسي مجرمة خطيرة، بس جواها كانت عارفة إن اليوم ده علّمها حاجة أهم من أي لعبة أو هدية، علّمها إن الصدق بيخفف القلب وإن الخوف لما يتقال بصوت عالي بيصغر، ومع مرور الوقت بقت لما تغلط تقول على طول أنا آسفة وتصلح اللي تقدر عليه من غير ما تعيش تلات أيام رعب، وأبوها وأمها بقوا دايمًا يفكروا نفسهم إن قلب طفل صغير ممكن يشيل حمل تقيل لو محدش فهمه، وإن كلمة تطمين في وقتها ممكن تمنع سنين خوف، وفي كل مرة كانت تشوف كباية زرقا فيها ورد في محل أو عند حد كانت تبتسم وتفتكر إنها في يوم من الأيام دخلت قسم الشرطة وهي فاكرة إن حياتها انتهت بسببها، لكن الحقيقة إن اللحظة دي كانت بداية حياة فيها شجاعة أكتر وصدق أكتر وقلب مطمئن يعرف إن الحب أكبر من أي غلطة وإن أوقات أبسط الحاجات هي اللي بتسيب أعمق أثر جوانا.

تم نسخ الرابط