رواية كاملة
وأنا بطلع صينية الديك الرومي التقيلة من الفرن، ريهام أخت جوزي زقتني جامد من ضهري.
الصينية مالت، والزيت المغلي اندلق على رجليا الاتنين دفعة واحدة.
في اللحظة دي حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
لا صوت الأغاني اللي شغالة في الصالة، ولا ضحك الضيوف، ولا حتى صوتي أنا.
ثانية واحدة بس وبعدها صړخت بكل قوتي.
وقعت على الأرض، والصينية خبطت في السيراميك جنب مني بصوت دوّى في المطبخ كله.
ريحة الزيت السخن والديك الرومي المحروق ملت المكان، وأنا بحاول أزحف بعيد عن البقعة اللي كانت بتوسع حواليّا.
ريهام كانت واقفة فوق راسي، متنفسة بسرعة، وعينيها مليانة توتر.
وطت عليا وقالت بصوت واطي جدًا
إنتِ دايمًا واخدة كل حاجة حتى محمود.
قبل ما أستوعب كلامها، طنط ميرفت دخلت المطبخ وهي شايلة كوباية عصير، وبمجرد ما شافت الفوضى قالت بضيق
يا ساتر يا رب عملتي إيه يا علا؟
الكلمة كسرتني أكتر من الۏجع نفسه.
بصيت لها وأنا بحاول أتكلم
ريهام زقتني
لكن ريهام ردت بسرعة وهي شبه بټعيط
لا والله! كانت هتقع وأنا حاولت ألحقها!
في اللحظة دي دخل محمود من البلكونة،
جري ناحيتي فورًا وقال بخضة
علا!
ركع جنبي وشاف الحروق اللي بدأت تحمر بسرعة، واتحول وشه للون الأبيض.
ولأول مرة من فترة طويلة، حسيت إنه خاېف عليا بجد.
وأنا قاعدة في المستشفى بعدها بساعتين، رجليا ملفوفة بالشاش، ومحمود قاعد جنبي ساكت، كنت حاسة إن فيه كلام كتير محپوس بينا بقاله سنين.
إحنا متجوزين من أربع سنين.
أربع سنين عشناهم وسط دوشة كبيرة.
شغل، وضغط، وزيارات عائلية، ومجاملات، وكلام ناس، وكل يوم كان يعدي أسرع من اللي قبله.
في بداية جوازنا، محمود كان مختلف.
كان بيصحيني كل يوم برسالة طويلة حتى لو نايمين جنب بعض.
كان يجيبلي شوكولاتة من غير مناسبة، ويقف معايا في المطبخ يساعدني حتى لو هيبوظ الأكل أكتر.
لكن مع الوقت، كل واحد فينا دخل في دوامة.
هو بقى طول الوقت في الشغل.
وأنا بقيت بحاول أرضي كل الناس، لحد ما نسيت نفسي.
وأكتر حاجة كانت بتتعبني إني كنت حاسة إني دخيلة في بيت عيلته مهما حاولت.
ريهام كانت مرتبطة جدًا بمحمود.
يمكن زيادة عن الطبيعي شوية.
كانت متعودة إنه طول عمره جنبها،
ولما اتجوزني، حسّت إن فيه حد أخده منها.
هي عمرها ما قالت كده بصراحة، لكن تصرفاتها كانت بتقول.
تعليقات صغيرة.
سخافات متكررة.
مقارنات.
نظرات مستفزة.
وكل مرة كنت أقول لنفسي عدّيها علشان البيت يمشي.
لكن اللي حصل في المطبخ كان أكبر من إني أعديه.
في المستشفى، محمود قطع السكوت أخيرًا وقال
أنا شوفت الفيديو.
بصيتله باستغراب.
قال
الكاميرا اللي في المطبخ شوفت كل حاجة.
أنا كنت فعلًا فتحت التسجيل قبل ما نخرج.
الفيديو كان واضح جدًا.
ريهام وهي داخلة بسرعة، وإيديها وهي بتخبطني من ضهري، وبعدها وقوعي.
تنهد محمود وقال بصوت هادي
أنا عمري ما تخيلت إنها ممكن تعمل حاجة متهورة كده.
قلت بتعب
هي
مش شريرة يا محمود هي بس متعودة إنك ليها لوحدها.
سكت شوية، وبعدين قال جملة عمري ما هنساها
وأنا غلطت لما سيبت المسافات تتلخبط.
بصيتله وأنا مستغربة.
قال
أنا كنت فاكر إن السكوت بيحل المشاكل. بس السكوت ساعات بيكبرها.
الكلام دخل قلبي بطريقة غريبة.
رجعنا البيت بعد يومين.
لكن البيت
طنط ميرفت بقت هادية زيادة عن اللزوم.
وريهام بقت تتجنب تبصلي في عيني.
أما محمود فبدأ يتغير.
بقى يرجع بدري من الشغل.
يسألني محتاجة إيه.
يقعد يسمعني حتى لو كلامي عادي جدًا.
وفي ليلة، وأنا قاعدة في البلكونة برجليا المرفوعة على كرسي، جاب بطانية وقعد جنبي وقال
فاكرة أول يوم شوفنا فيه بعض؟
ضحكت رغم الۏجع.
كان فرح بنت خالتي.
أنا كنت لابسة فستان أزرق سماوي، وهو فضل طول الفرح يبصلي من بعيد ومتوتر يجي يكلمني.
وفي الآخر، بعت ابن خالته الصغير يقولي
محمود بيسأل لو ينفع ياخد رقم بابا.
فضلنا نضحك لما افتكرنا الموقف.
وبعدين سكت فجأة وقال
إحنا اتغيرنا أوي يا علا.
قلت بهدوء
كل الناس
بتتغير.
هز راسه وقال
بس مش لازم نبعد.
الجملة دي فضلت ترن في دماغي طول الليل.
بعد أسبوع، فاجأني إنه بيقولي
أنا لقيت شقة.
افتكرته بيهزر.
لكن طلع بيتكلم بجد.
شقة صغيرة قريبة من شغله.
مش فخمة، ومش واسعة، لكن فيها هدوء.
لما عرفوا في البيت، الدنيا اتقلبت.
طنط ميرفت قالت بزعل
يعني مراتك فرقتنا؟
لكن محمود رد بهدوء
محدش فرق حد. أنا
ولأول مرة، حسيت إنه بيحط حدود صح.
نقلنا بعد شهر.
أول ليلة في الشقة الجديدة كانت