كرامة اب
عليها سماعات دي جي عملاقة قدام بيت ابنه، ونزل عم عطية وهو ماسك موبايله، وفي عينه نظرة حد مش ناوي يسكت على حقه تاني.
اللي حصل بعد كده، خلّى الشارع كله يفتح الشبابيك ويتفرج على ياسين وهو بيتفضح قدام المنطقة كلها.
تحب أكملك اللي حصل لما الميكروفونات اشتغلت؟
أول ما العربية وقفت، الشارع كله هدي، والناس اللي كانت بتهزر في البلكونات سكتت لما لقت الميكروفونات العملاقة موجهة لبيت ياسين. عم عطية بص للبيت بصه أخيرة، وداس تشغيل من موبايله.
صوت عم عطية ملى المنطقة كلها، كان طالع قوي وهادي وموجوع في نفس الوقت
يا سكان الشارع.. يا كل اللي بيحتفلوا.. أنا اسمي عطية، اللي بنيت البيت ده طوبة طوبة، واللي شقيت في الكهرباء عشان أنور حياة ابني الوحيد. أنا اللي بعت حيلتي عشان يلبس أحسن لبس ويسكن في أحسن سكن.
ياسين ومراته والناس اللي عندهم جروا على البلكونة وهما مذهولين، الضحكة اتجمدت على وشوشهم والصدمة لجمت لسانهم. كمل صوت عم عطية في الميكروفون
سمعتك يا ابني وأنت بتقول إن 2025 هتبقى أحسن من غير الراجل العجوز. وأنا النهاردة جاي أقولك مبروك عليك.. دعوتك استجابت.
الناس في الشارع بدأت تبص لياسين بنظرات كلها احتقار، وعم عطية كمل
أنا النهاردة
ياسين حاول ينطق، حاول يزعق، لكن صوت الميكروفونات كان أقوى وأعلى، كان صوت الحق اللي بيزلزل الأرض تحت رجليه.
عم عطية ركب التاكسي اللي كان مستنيه، وبص لياسين وهو واقف في البلكونة زي العيل الصغير اللي تاه من أهله، وقاله كلمة واحدة من غير ميكروفون العيب مش فيك يا ابني، العيب في اللي افتكر إن الأصل بيتشرى بالفلوس.
العربية مشيت، وعم عطية ساند راسه على الشباك، حاسس بوجع في قلبه طبعاً، بس لأول مرة من سنين يحس إنه حر.. إنه مابقاش الراجل العجوز اللي مستني عطف حد، هو دلوقتي عطية اللي بيبدأ سنة جديدة بكرامة مكسرتهاش قلة الأصل.
الشارع كله فضل ساكت، مفيش حد كمل احتفال، وياسين دخل قفل بلكونته وهو عارف إن 2025 فعلًا هتبقى مختلفة.. بس مش زي ما هو كان راسم في خياله المريض.
الشارع كله بقى كأنه في صوان عزا، السكوت قطع الهيصة، والعيون كلها بقت على بلكونة
عم عطية مخلصش كلامه هنا، رفع الميكروفون بإيده المرة دي وقال
يا ياسين.. أنا مش بس هاخد حقي بالقانون، أنا سحبت منك الرضا. والرضا ده هو اللي كان سترك وموقف حالك. من اللحظة دي، البيت اللي أنت فيه ده أنا وهبته صدقة جارية لدار أيتام، وليك مهلة أسبوع تخلي المكان.. عشان الأيتام أولى بالستر من اللي بينكر فضل أبوه.
ياسين نزل يجري في الشارع حافي، بيحاول يلحق أبوه وهو بيركب العربية، صرخ وصوته مخنوق يا بابا استنى! يا بابا كنت بهزر! نورهان هي اللي وزتني!
عم عطية بص له من شباك العربية بصه مفيش فيها غضب، فيها شفق وشفقة، وقاله
اللي يرمي أبوه عشان خاطر كلمة من مراته، أو عشان شوية فرفشة، ملوش عندي عتاب. نورهان معذورة، هي مش بنتي، لكن أنت ابني.. أنت اللي كان المفروض تكون سندي.
العربية بدأت تتحرك، وياسين بيخبط على الإزاز يا بابا سامحني، مش هعمل كده تاني، والله العظيم هبوس رجلك قدام الناس كلها!
عم عطية رد عليه بهدوء يقطع القلب
الرجل العجوز اللي كنت عاوز تعيش من غيره.. مات يا ياسين. مات في اللحظة اللي سمع
العربية مشيت واختفت في زحمة الشوارع، وعم عطية طلع من جيبه صورة كريمة الله يرحمها، وطبطب عليها وقال سامحيني يا كريمة، كان لازم أعمل كده عشان أربي اللي معرفتش أربيه وأنا بدلعه.
دخل عم عطية بيته القديم، البيت اللي فيه ريحة الذكريات، صلى ركعتين شكر لله، ونام وهو حاسس بتقل اتشال من على صدره. أما ياسين، ففضل واقف في نص الشارع، والناس بتنفض من حواليه، والأنوار اللي كانت زينة بقت في عينه زي نار بتحرقه.
2025 بدأت فعلًا، بس عم عطية بدأها ملك، وياسين بدأها غريب.
بعد أسبوع بالظبط، كان الشارع كله واقف يتفرج على مشهد مكنش حد يتخيله.
قدام البيت اللي عم عطية بناه، كانت واقفة عربية نقل كبيرة، بس المرة دي مش عشان تجيب عفش جديد، دي كانت عشان تلم خيبة ياسين. نورهان مراته كانت واقفة بشنطة هدومها، وشها في الأرض، وبتحاول تداري كسفتها من نظرات الستات في البلكونات.
ياسين كان شايل كرتونة فيها هدومه، وواقف قدام المحامي وبتاع الشهر العقاري، وهو بيوقع على إقرار إخلاء الشقة. المحامي بص له وقاله ببرود
عم عطية وصى إن الشقة دي تتفتح من بكرة مقر لمؤسسة خيرية لخدمة كبار