كرامة اب

لمحة نيوز


يخليها صدقة جارية عن روح والدتك الله يرحمها.
ياسين بص للمكان اللي كبر فيه، وافتكر إنه في اللحظة دي كان المفروض يكون نايم مرتاح، لكنه بكلمة واحدة خسر السكن والسكنية.
في نفس الوقت، كان عم عطية قاعد في شقته القديمة، الشقة اللي ياسين كان مسميها الخرابة، بس كانت في نظر عم عطية قصر لأنه ماليها بالرضا. تليفونه رن، كان ياسين. عم عطية مكنش لسه مسح الرقم، رد بهدوء
نعم يا ياسين؟
ياسين صوته كان كله عياط وندم يا بابا.. أنا في الشارع، ونورهان سابتني وراحت لبيت أهلها لما عرفت إن الشقة راحت، ومحدش من أصحابي اللي كانوا بيضحكوا معايا ليلة راس السنة رضي يستقبلني.. أنا ضعت يا بابا.
عم عطية سكت لحظة، وبعدين قال جملة هزت ياسين من جوا
أنا مكنتش محتاجك تشيلني يا ياسين، أنا كنت محتاج أحس إن شقايا فيك مكنش خسارة. الأرض اللي أنت واقف عليها في الشارع دي، أنا اللي دافع تمنها من صحتي، والهدوم اللي عليك أنا اللي جايبها.. لما تعرف تعرق وتجيب لقمة من تعبك، وتعرف يعني إيه أصل، وقتها بس ممكن تبقى راجل وتستحق إنك تقابلني.
ياسين سأله بلهفة

يعني ممكن تسامحني؟
عم عطية رد بوقار الأب وحكمة السنين
المسامحة عند ربنا، لكن كرامة الأب مبيجيش بعدها رجوع بسهولة. روح ابدأ من الصفر، اتعلم إزاي تبني حياتك من غير ما تدوس على اللي بنولك أول خطوة.. ولما ربنا يصلح حالك، ابقى تعال زور قبر أمك، واطلب منها هي السماح.
قفل عم عطية السكة، وقام فتح الشباك. الهوا كان بارد بس نقي، وبدأ يجهز لنفسه كوباية شاي بالنعناع، وهو بيسمع إذاعة القرآن الكريم.
2025 كانت فعلًا سنة مثالية لعم عطية، مش لأنه انتقم، لكن لأنه استرد نفسه، وعرف إن الراجل العجوز قيمته في قلبه وفي كرامته، مش في رضا ابنه الجاحد.
أما ياسين، فمشي في الشارع والكرتونة في إيده، وهو بيسمع صوت الآذان، وعارف إن المشوار لسه طويل عشان يرجع بني آدم في نظر أبوه.. وفي نظر نفسه.
مرت الشهور، وياسين حاله اتشقلب حال. اشتغل في كذا شغلانة فواعلي وشيال، عشان يقدر يوفر لقمة يومه، ولأول مرة يدوق طعم العرق اللي أبوه قضى عمره كله فيه. كان كل يوم يعدي من قدام البيت اللي بقى دار لكبار السن، يشوف العواجيز قاعدين في البلكونة اللي كان بيسهر
فيها، بيضحكوا ويدعوا لعم عطية، وقلبه يتعصر من الندم.
أما عم عطية، فكان بيتابع أخبار ابنه من بعيد لبعيد، من غير ما ياسين يحس. كان بيشوفه وهو راجع من شغله، لبسه مبهدل وإيده خشنة، وكان قلبه بيحن، بس كان عارف إن الدوا المر هو اللي هيشفي ابنه من داء الغرور.
في ليلة جمعة، عم عطية كان قاعد في المسجد بيصلي العشاء، ولما خلص وخرج، لقى واحد قاعد على الرصيف، ساند راسه بين إيديه وبيعيط بحرقة. قرب منه، ولقاه ياسين.
ياسين أول ما شاف جزمة أبوه قدامه، اترمى تحت رجليه وبدأ يغسلها بدموعه وصوته طالع بالعاافية
يا بابا.. أنا عرفت قيمة القرش، وعرفت يعني إيه شقى، وعرفت إن الدنيا من غير رضاك مابتسواش بصلة. أنا مش عاوز ورث، ولا عاوز بيت، أنا بس عاوزك تبص لي وترضى عني قبل ما العمر يسرقنا.
عم عطية بص لابنه، لقى في عينه كسرة بس كسرة وراها ندم حقيقي. مد إيده الشقيانة، اللي كانت معلقة في الهوا ليلة راس السنة، وطبطب على كِتف ابنه وقال بصوت حنين
قوم يا ياسين.. الأب مبيكرهش ابنه مهما عمل، بس كان لازم تعرف إن البيت بيتبني بالحب والأصول، مش بالأسمنت
والفلوس.
ياسين قام وحضن أبوه حضن كان محتاجله من سنين، حضن فيه ريحة كريمة وريحة الأمان اللي ضيعها بإيده.
عم عطية قاله أنا مش هترجع تعيش معايا دلوقت يا ياسين.. روح كمل في طريقك، واثبت لنفسك وللناس إنك بقيت راجل بجد، وباب شقتي هيفضل موارب، لحد ما تيجي وتوريني إنك بقيت تستحق تشيل اسم عطية بكرامة.
ياسين رجع لشغله بقلب جديد، وبقى كل قرش يطلعه، يشيل منه جزء يتبرع بيه لدار المسنين اللي في بيتهم القديم، صدقة على روح أمه وعشان خاطر أبوه.
السنة خلصت، ودخلت سنة جديدة، بس المرة دي ليلة راس السنة كانت مختلفة تماماً. عم عطية كان قاعد في صالته، والباب خبط.. فتح لقى ياسين واقف، لابس لبس نضيف من تعبه، وماسك في إيده علبة دواء لأبوه وكيلو فاكهة.
ياسين قال بصوت واثق كل سنة وأنت سندي وتاجي يا بابا.. تسمحلي أقضي الليلة دي تحت رجلك؟
عم عطية ابتسم، وفتح الباب على آخره وقال ادخل يا ابني.. البيت نور بأصحابه.
وخلصت الحكاية، وعلمت الشارع كله إن الراجل العجوز هو البركة اللي من غيرها البيت يضلم، وإن الندم لما بيجي بصدق، بيفتح الأبواب اللي
قفلها الجحود.

 

تم نسخ الرابط