صدمة الاسبوع الاول

لمحة نيوز

"لو جرالها حاجة، أهي تغور وتريحنا.. على الأقل متبقاش فيه عقبة بينك وبين أهلك وناسك."
​ده اللي أمي رمته في وشي - وقدام الدكتور بكل جبروت - وأنا ابني بين إيديا "شعلة نار" من السخونية، طفل لسه مكملش أسبوعه الأول في الدنيا.
​أنا اسمي مينا، 32 سنة، شغال مشرف مخازن وبنحت في الصخر عشان شقة إيجار في عين شمس. مراتي "فيرونيكا" كانت من النوع اللي تتداس عليها وتقول "حقكم عليا"، طيبة لدرجة تخنق، وهادية لدرجة إنها بتشيل الهم في قلبها وتسكت.
​قبل الكارثة دي بأسبوع، نورت حياتنا "سليم".
عمري ما هنسى شكلها في المستشفى، كانت مهدودة، وشها شاحب زي الورقة، وعرقانة من التعب.. بس كانت بتضحك كأنها ملكت الدنيا باللي فيها.
همست لي وهي بتترعش: "أمانة عليك يا مينا، أوعى حد يكسر بخاطره أو يأذيه."
بست إيدها ووعدتها.
مكمتش أتخيل إني هكون أول واحد يكسر بالوعد ده.
​بعد أربعة أيام، جالي شغل جرد مستعجل في إسكندرية. مكنتش طايق أسيبها، هي غرزها لسه بتوجعها ومش قادرة تفرد ضهرها، والواد مبيفصلش عياط. بس أمي "كريمة" حطت إيدها في وسطها وقالت لي:
"في إيه يا واد؟ هي أول واحدة تولد؟ أنا موجودة أهو، ولا أنت فاكر الغريبة هتخاف عليه أكتر من جدته؟"
وأختي شيرين واقفة وراها بتوز:
"سافر يا مينا وأنت مطمن، إحنا هنقوم بالواجب وزيادة، دي فيرونيكا في عنينا."
​فيرونيكا ساندت على الباب وبتحاول تداري وجعها عشان متوقفش حالي، وقالت لي بقلب مكسور: "ترجع بالسلامة."
بوست راسها، وبوست رجلين سليم الصغننة.. وخرجت.
​كنت بتصل بيهم كل ساعة، وأمي هي اللي مسيطرة على التليفون. لما كنت بطلب أشوف فيرونيكا، كانت تظهر ثواني، دبلانة، شفايفها زرقاء وعينيها غارقة في نفوخها من قلة النوم.
سألتهم

بقلب مقبوض: "مال شكلها متبهدل كده ليه؟"
أمي ردت برد يقطع القلب: "يا ابني ما هي بتدلع! الستات زمان كانت بتولد في الغيط وتكمل شغلها.. أنت اللي مدلعها زيادة."
وشيرين تضحك بتريقة: "مراتك فرفورة أوي يا مينا، دي بتمثل التعب عشان تشيلك الذنب."
​قلبي نغزني.. بس كذبت إحساسي وصدقتهم.
​في اليوم الرابع، مكنتش قادر أكمل، خلصت بدري ونطيت في أول ميكروباص للقاهرة. جبت "خمسة وخميسة" ذهب لسليم، وعلبة بسبوسة سخنة لفيرونيكا عشان أراضيها.
وصلت البيت والناس لسه بتقول "يا هادي" قبل الشروق.
​باب الشقة كان موارب.. دخلت لقيت الصالة "ثلاجة"، التكييف شغال على 16، وأمي وشيرين نايمين في سابع نومة ومتغطين بلحاف فايبر تقيل. الصالة كانت مزبلة؛ كراتين بيتزا، ازايز مياه غازية، وأكياس شيبسي في كل ركن.
لا فيه لقمة نظيفة، ولا ريحة ينسون، ولا هدوم للبيبي مغسولة.
​وفجأة سمعت الصوت..
صرخة مكتومة..
نهجة طالعة بالعافية..
كأن ابني روحه بتتسحب ومش قادر حتى يصرخ.
​جريت على الأوضة كالمجنون.
فيرونيكا كانت مرمية على السرير "جثة هامدة"، قميصها متغرق لبن ودم، وشعرها ملبد. سليم كان جنبها، ملفوف في حتة قماشة زفرة، وشه "مكهرب" من كتر الحمار، وعينيه دبلانة وبتعيط من غير دموع.
​"فيرونيكا! ردي عليا!"
بهز فيها مفيش نطق.
لمست جسم ابني.. الرعب سكن في عضمي. الواد كان "بيغلي"، شفايفه مشققة وناشفة حطب، والحفاضة كانت مهرية ومسلخة جسمه تماماً.
​زعقت بكل ما فيا من قهر.
دخلت أمي وهي بتفرك في عينيها وبتمثل الخضة: "يا ساتر! جيت إمتى يا قلب أمك؟"
صرخت فيها: "إيه القرف ده؟ فين الأمانة اللي سيبتها لك؟"
​طلعت شيرين وهي بتنفخ: "جرى إيه يا مينا؟ ما تهدا! العيال بتعيط والستات بتنام، أنت
اللي عامل من الحبة قبة عشان تطلعنا مقصرين."
​بصيت ليهم.. لبودرة العفريت اللي في عينيهم.. للأكل اللي طافحينه وسايبين مراتي تموت من الجوع والجفاف.. وبصيت لابني اللي روحه بتطلع.
مردتش بحرف.
شلت فيرونيكا زي ما هي، ولفيت سليم في صدري، ونزلت أجري في الشارع زي المجنون بصوت يهز العمارة: "إلحقووووني!"
أول ما وصلت المستشفى، الممرضات اتلموا عليا وخطفوا سليم من إيدي. الواد كان "خرطة ملح" وداخل في جفاف حاد، وفيرونيكا ضغطها كان واطي لدرجة إنهم افتكروها دخلت في غيبوبة.
​قعدت في الممر، ضهري ساند على الحيطة، وحاسس إني عاجز.. قليل الحيلة.. وبكره نفسي.
​بعد ساعتين، الدكتور خرج وشه ميتفسرش، بص لي بحدة وقالي:
"إنتو إزاي سيبتوا الست دي كده؟ الست عندها حمى نفاس، والبيبي كان ه يروح مننا بسبب الجفاف والتسلخات اللي وصلت لالتهاب بكتيري! إنتو معندكوش دم؟"
​وقبل ما أنطق، لقيت أمي وشيرين داخلين المستشفى ببرود، ولا كأن فيه كارثة. أمي قربت مني وبتقول بصوت واطي:
"شفت؟ شفت الفقر اللي دخلته بيتنا؟ من أولها كده مستشفيات وفضايح وقالبة علينا المواجع؟"
​بصيت لها بذهول: "يا أمي، الست كانت بتموت وابني كان هيضيع! إنتي كنتي بتعملي إيه؟ كنتي بتآكلي بيتزا وتنامي في التكييف والواد بيتحرق؟"
​أمي لوت بوزها وقالت الكلمة اللي قسمت ضهري:
"ما هي لو كانت رضيت تكتب البيت باسمي زي ما طلبت، كنت شلتها في نني عيني.. إنما هي اللي اختارت تشيل شيلتها لوحدها. وبعدين يا سيدي، لو جرى لها حاجة، ألف من تتمنى ضفرك، والواد بكره ينسى ويكبر مع ست تانية تعرف قيمة العيلة."
​في اللحظة دي، الغشاوة اللي كانت على عيني انزاحت.
عرفت إنهم مكنوش بيساعدوها.. دول كانوا بيكسروها. كانوا بيعاقبوها
عشان رفضت تتنازل عن حقها في البيت اللي دفعنا فيه شقانا.
​طلعت تليفوني، واتصلت بصاحبي المحامي.
"أيوة يا متر.. عايز أرفع قضية تمكين، وعايز أعمل محضر إهمال بالتقارير الطبية اللي معايا دلوقتي حالا."
​أمي اتصعقت: "إنت هتجرجر أمك في المحاكم عشان خاطر الغريبة؟"
​رديت عليها بصوت ميت من القهر:
"الغريبة دي هي اللي شايلة اسمي، وهي اللي كانت بتموت عشان تجيب لي حتة مني.. وأنا اللي كنت غبي لما استأمنتكم على روحي. من النهاردة، لا إنتي أمي ولا أعرفك، والبيت اللي كنتي عايزاه؟ اعتبري إنك شوفتيه في المنام، لأن الحساب بينا لسه هيبدأ قدام القاضي."
​أمي وشيرين وقفوا مبهووتين، وأنا سبتهم ودخلت أوضة فيرونيكا.. مسكت إيدها وهي لسه غايبة عن الوعي، وهمست لها:
"حقك هيرجع يا نور عيني.. والله ليرجع تالت ومتلت."
​انتظروا الجزء التاني عشان تعرفوا القاضي حكم بإيه وايه المفاجأة اللي قلبت الموازين!
بعد ما فيرونيكا فاقت، عرفت منها اللي يخلي الدم يغلي في العروق.
​قالت لي وهي بتعيط بحرقة: "يا مينا، أمك كانت بتدخل تاخد الواد مني وهو جعان، وتقفل عليا الأوضة وتقولي: 'خليكي محبوسة زي الكلبة لغاية ما تمضي على تنازل البيت'.. كانت بتشرب هي وأختك الحاجه الساقعة قدامي وأنا هموت من العطش ومش قادرة أقوم أجيب مية، ويقولوا لي: 'اشربي من لبنك لو نزل'!"
​سمعت الكلام ده والدنيا اسودت في عيني.
​المحامي بتاعي جيه المستشفى ومعاه محضر إثبات حالة بالتقارير الطبية اللي بتأكد إن فيرونيكا تعرضت لإهمال متعمد وسوء تغذية، والبيبي حالته كانت "شروع في قتل" بسبب الجفاف.
​أمي أول ما عرفت إن المحاضر بدأت تشتغل، بدأت تبعت لي ناس ووسطاء: "عيب يا مينا.. دي أمك.. والظفر مبيطلعش من اللحم.
"
​رديت عليهم كلمة واحدة: "اللحم اللي بياكل في ضناه، يتقطع

تم نسخ الرابط