صدمة الاسبوع الاول
ويرمي للكلاب."
يوم الجلسة، أمي وقفت قدام القاضي بكل جبروت، وقالت: "يا سيادة القاضي، دي مراة ابني وبتمثل، وأنا كنت بخاف على ابني وبخلي بالي منه، وهي اللي مهملة."
هنا المحامي بتاعي طلع "القنبلة".
أنا كنت مركب كاميرا مراقبة صغيرة في الصالة قبل ما أسافر، كنت مركبها عشان أطمن عليهم من الموبايل، بس مكنتش بفتحها كتير عشان ضغط الشغل.
فتحنا الفيديو قدام القاضي..
المنظر كان مرعب: أمي وأختي قاعدين بياكلوا ويضحكوا، وسليم بيصرخ في الخلفية لغاية ما صوته اتنبح، وفيرونيكا بتخبط على باب الأوضة وهي بتستغيث بيهم يدوها بوق مية، وأمي ترد عليها بصوت عالي: "امضي يا روح أمك وأنا أفتح لك الحنفية!"
القاضي وشه قلب، وبص لأمي بنظرة خلت ركبها تخبط في بعضها.
الحكم كان رادع:
حبس الأم وأختي سنة مع الشغل بتهمة الإهمال وتعريض حياة طفل وأم للخطر.
غرامة مالية كبيرة تعويضاً لفيرونيكا.
والأهم من ده كله.. قرار منع اقتراب (عدم تعرض) نهائي.
وأنا واقف قدامهم وهما بيتسحبوا بالكلبشات، أمي صرخت فيا: "هتبيع أمك عشان خاطر حتة بيت يا مينا؟"
بصيت لها بكل برود وقولت لها: "أنا مبعتش أمي.. أنا دفنت "الكابوس" اللي كان هيموت عيلتي.. والبيت ده مكنش مجرد حيطان، ده كان الاختبار اللي سقطتي فيه للأبد."
أخدت مراتي وابني في حضني، وخرجنا من المحكمة واحنا بنبدأ حياة جديدة، من
بعد الحكم، الدنيا متهدتش. أمي وأختي فضلوا يصرخوا في المحكمة ويقولوا "يا جاحد.. يا عدو أهلك"، بس أنا كنت خلاص، قلبي بقى زي الحجر من ناحيتهم.
روحت البيت، ولميت كل هدومهم وحاجتهم اللي كانت في الشقة، ورميتها قدام باب بيتهم القديم. مكنتش عايز ريحتهم تفضل في مكاني. فيرونيكا بدأت تشد حيلها، بس كانت لسه بتصحى من النوم مخضوضة، بتدور على سليم وتتأكد إنه لسه بيتنفس. الوجع النفسي كان أقوى بكتير من وجع الجرح.
بعد أسبوعين، جالي اتصال من خالي.
"يا مينا، أمك تعبانة في الحجز وضغطها عالي، وأختك منهارة.. كفاية كده يا ابني، اتنازل عن المحضر وخلينا نلم الدور، والبيت خلاص مش عايزينه."
رديت عليه بضحكة وجع:
"يا خالي، هما مش عايزين البيت عشان عرفوا إن مفيش أمل فيه، مش عشان ندموا. أنا مش هتنازل.. سليم ابني اللي كان هيروح بسببهم، وفيرونيكا اللي شافت الموت وهي لسه والدة، هما اللي ليهم حق التنازل، وأنا مش هسمح لده يحصل."
المفاجأة بقى كانت في "البيت" نفسه.
المحامي كلمني وقالي إن فيه ثغرة في العقد القديم اللي أمي كانت بتحاول تخليني أمضي عليه، اكتشفنا إنها كانت عايزة تاخد البيت مش عشان تسكن فيه، دي كانت متفقة تبيعه لتاجر في المنطقة عشان تسدد ديون شيرين أختي اللي كانت غرقانة
لما واجهت خالي بالكلام ده، سكت ومنطقش. عرفت إن العيلة كلها كانت عارفة ومخبية عليا.
في يوم، فيرونيكا مسكت إيدي وقالت لي: "مينا، أنا مش عايزة أعيش هنا تاني.. المكان ده فيه ريحة الوجع."
بعت الشقة، وأخدت فيرونيكا وسليم ونقلنا في منطقة تانية خالص، بعيد عن أي حد يعرفنا.
دلوقتي سليم بقى عنده سنة، بيمشي ويملى البيت ضحك. وفيرونيكا رجعت لها ضحكتها، والبيت بقى مكتوب باسمها "هي" وبس.. مش عشان أنا خايف منها، بس عشان دي أقل حاجة أقدر أقدمها للست اللي شافت الجحيم وصمدت عشان خاطري.
أمي وأختي خرجوا بعد ما قضوا مدتهم، بس خرجوا للوحدة.. مفيش حد بيسأل فيهم، وأنا غيرت رقمي وعنواني، ونسيت إن كان ليا أهل في يوم من الأيام.
النهاية:
أحياناً، "الغريب" اللي بيحبك بجد بيبقى أقرب ليك من "القريب" اللي عايز ينهشك. حافظوا على اللي بيحبكم، وسدوا الباب في وش أي حد يحاول يهد بيتكم.. حتى لو كان من دمكم.
عدى كذا شهر، والحياة بدأت تروق، بس لسه فيه "ندبة" في القلب مابتخفش. في يوم، وأنا راجع من الشغل، لقيت حد مستنيني قدام باب العمارة الجديدة.. كانت شيرين، أختي.
شكلها كان مبهدل، وشها دبلان، وأول ما شافتني رمت نفسها على رجلي وهي بتعيط: "الحقنا يا مينا.. أمك بتموت في المستشفى،
قلبي اتنفض، مهما كان دي الأم. ركبت معاها ورحت المستشفى وأنا جوايا صراع بين "مينا ابنها" و"مينا الأب والزوج".
دخلت الأوضة، لقيت أمي خاسة النص، موصلة بأجهزة، وأول ما شافتني دموعها نزلت: "سامحني يا مينا.. الطمع عماني، وشيرين كانت بتوزني عشان ديونها.. كنت فاكرة إنك مهما حصل هتفضل سندي، ومكنتش فاهمة إن اللي يكسر مراته وعياله بيكسر ضهره بإيده."
بصيت لها والوجع كان بياكل فيا.. قولت لها بصوت مخنوق: "أنا مسمحك يا أمي بيني وبينك.. بس حق فيرونيكا وسليم مش عندي أنا، ده عند ربنا. أنا مش هقدر أرجع زي الأول، والشرخ اللي حصل مبيتصلحش."
أمي ماتت بعد يومين.. ودي كانت الصدمة اللي قفلت الكتاب ده للأبد.
في العزاء، شيرين جت تطلب نصيبها في "ورث" أمي، اللي هو أصلاً كان فلوس أنا اللي باعتها لأمي سنين الغربة والشقاء. بصيت لها بأسى وقولت لها: "ده اللي همك؟ الورث؟ خدي كل حاجة، خدي الفلوس والدهب والمساكن.. بس اعتبري إن أخوكي مات مع أمه."
اديتها كل حاجة وخرجت من حياتهم "زيرو" فلوس، بس "مليار" راحة بال.
رجعت البيت، لقيت فيرونيكا محضرة العشا وسليم بيحاول ينطق أول كلمة ليه.. بص لي وقال: "بابا".
في اللحظة دي عرفت إن ده هو "الورث الحقيقي". إنك تبني بيت أساسه الحب مش المصلحة، وإنك تختار عيلتك
تمت.