مواجهة القدر حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

قبل ما الإعصار يضرب بـ 3 ساعات، كنت واقفة برا في المطر، حافية ومن غير جاكيت، والسبب؟ "إني رديت عليه على العشا".
​السراين كانت بتصرخ في المنطقة كلها، والسما لونها بقى رمادي في أخضر.. اللون اللي بيخلي الوحوش تستخبى والرجالة الكبار تترعب. من ورا شباك الصالون، كنت شايفة "روي" بيلزق البلاستر على الإزاز وأمي بتناوله الشريط وهي باصة في الأرض.. محدش فيهم فكر يبصلي بصة واحدة.
​كل اللي عملته إني سألت سؤال واحد على السفرة:
"هو فلوس تأمين بابا راحت فين؟"
​"روي" بطل أكل.. وأمي شوكتها وقفت في الهوا. التلفزيون وراهم كان جايب خريطة الإعصار وهو بياكل في الساحل.
روي قال ببرود: "الفلوس دي هي اللي مخلياكي عايشة تحت سقف دلوقتي".
رديت عليه: "الفلوس دي بابا سايبها ليا أنا".
​قام من على الكرسي لدرجة إنه اتنطر لورا وقال بصوت زي الفحيح: "اطلعي برا".
أمي همست: "عشان خاطري يا روي.."
شاور على الباب وقال: "لما تفتكر إزاي تحترم الكبير، ابقي ارجعي".
بصيت لأمي، كنت مستنية تختارني، بس هي وطت راسها وبصت في طبقها.
​وقفت في الحوش والمطر بياكل في جسمي. كان عندي 28 سنة، بس في اللحظة دي حسيت إني لسه عندي 12، السنة اللي "روي" دخل فيها بيتنا بشنطة عدته وصوته الهادي. عمره ما مد إيده عليا، وده اللي خلى الناس تدافع عنه.. كان بيصلح للجيلان مواتيرهم ويشيل الشنط للستات العجايز، بس جوا البيت،

كان بيمسح أثر أبويا حتة حتة.
​دهن السور اللي بابا اختار لونه، نقلني من أوضتي اللي بابا بناها، وشال كل صور "ناثان بالمر" لدرجة إني مكنش فاضل معايا غير صورة واحدة مخبياها في درج شراباتي. غير رقم التليفون وقالي إن جدتي "فيفيان" مش عايزة تعرفني تاني. كان بيفتح البوسته قبل ما حد يلمسها.. وصدقته.. صدقته 14 سنة.
​لحد ما من 4 شهور، لقيت الصندوق.. جوابات تأمين باسم بابا، والمستفيد "فرانسيس بالمر".. يعني أنا. كان المفروض أستلمهم وأنا عندي 25 سنة، بس روي سحب 83 ألف دولار بتوكيل من أمي.
​شيلت السر ده زي الموس تحت لساني 4 شهور، لحد اللحظة دي.. المطر بيخبط في وشي، حافية، ومخي متثبت. وفجأة، لمحت كشافات عربية داخلة الشارع.
عربية ليموزين سودا وقفت قدام البيت بالظبط. الباب اتفتح، ونزلت منها ست ببالطو مطر أسود طويل، شعرها الفضي ملموم وشها زي الحجر.
​جدتي بصتلي.. وبعدين بصت للبيت اللي "روي" حابس نفسه جواه.. وقالت كلمة واحدة هزت الشارع كله:
"هدّوه".
أول ما الكلمة طلعت من بوقها، نزل من العربيات اللي وراها تلات رجالة ببدل سودا، ملامحهم متفسرش، وواحد منهم كان ماسك تابلت وبيعمل مكالمة سريعة. "روي" كان شايف المشهد من ورا الإزاز، ملامحه اللي كانت كلها جبروت بدأت تتهز.. فتح الباب وطلع يجري وهو بيحاول يرسم الابتسامة المزيفة بتاعته.
​"يا أهلاً يا مدام فيفيان! إيه الزيارة المفاجأة
دي؟ الدنيا بتمطر وإحنا..."
​جدتي مقطعتش كلامه، هي أصلاً معتبرتوش موجود. شاورت لواحد من رجالتها وقالت بصوت يقطع زي السكينة: "المعدات توصل هنا قبل ما الإعصار يشتد. البيت ده باللي فيه مش عايزه أشوف منه طوبة واقفة".
​روي وشه بقى أصفر زي الكركم: "تهدي إيه؟ ده بيتي! إنتي فاكرة عشان معاكي قرشين تقدري..."
​في اللحظة دي، جدتي قربت منه خطوة واحدة، الخطوة دي خلته يرجع لورا تلات خطوات. قالتله: "البيت ده اتبنى بفلوس ابني، والفلوس اللي إنت سرقتها من حفيدتي كفيلة توديك ورا الشمس قبل ما الإعصار يوصل. أنا مش جاية أتفاوض يا روي.. أنا جاية أنضف المكان من القذارة اللي زيك".
​أمي طلعت تجري من البيت، كانت بتعيط ومنهارة: "ماما فيفيان، أرجوكي اسمعيني.."
جدتي بصت لها بكسرة نفس وقالت: "إنتي اخترتي الراجل ده ومسحتي دم ابني من البيت.. دلوقتي استني شوفي اختيارك هيوصلك لفين. فرانسيس، اطلعي اركبي العربية".
​قعدت في الكنبة اللي ورا، مذهولة، وجسمي لسه بيترعش من البرد. بصيت من شباك الليموزين، وفي أقل من نص ساعة، وبالرغم من العاصفة، كانت فيه لودرات عملاقة جاية من بعيد وكأنها جيش. روي كان بيصرخ في الشارع والمطر بيغرق هدومه، وأمي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط وهي شايفة العمال بيبدأوا يفكوا السور اللي "روي" دهنه عشان يمسح ذكرى بابا.
​جدتي ركبت جنبي، مسكت إيدي وقالت ببرود مرعب: "متقلقيش
يا بنتي.. البيت اللي اتقفل في وشك، ملوش لازمة يفضل واقف".
​ومع أول خبطة من لودر في حيطة الصالون، سمعت صوت تهديم الحيطان بيختلط مع صوت الرعد.. وفي اللحظة دي بس، حسيت إني بدأت أتنفس بجد.

اللودر خبط أول خبطة في ركن البيت، والسقف بدأ يشرخ. "روي" كان زي المجنون، بيحاول يقف قدام المعدات وهو بيصرخ: "هحبسكم! ده بيتي! دي ممتلكات خاصة!"
​واحد من رجالة جدتي قرب منه ورمى في وشه دوسيه جلد أسود: "دي صور الشيكات اللي زورتها، وده إقرار من البنك بكل مليم سحبته من ورا (فرانسيس).. تحب البوليس ييجي يستلمك من هنا ولا تستنى الإعصار يخلص عليك؟"
​روي سكت فجأة، إيده كانت بتترعش وهو بيبص للورق.. عرف إن اللعبة خلصت. في اللحظة دي، حيطة الصالون وقعت بالكامل، والكنبة اللي كان قاعد عليها من ساعة واحدة بس بقت كوم تراب تحت جنزير اللودر.
​أمي جت خبطت على شباك العربية وهي بتنهج: "فرانسيس! افتحي يا بنتي! مش هتسيبيني هنا؟ روي ملوش حد، والبيت بيتهد!"
​بصيت لجدتي، لقيت عينيها ثابتة زي الصخر، قالتلي بهدوء: "القرار ليكي.. بس افتكري إنها سابتك حافية في المطر عشان ترضي اللي سرق ورثك".
​نزلت نص الشباك، وبصيت لأمي ببرود أول مرة أحسه في حياتي: "إنتي اخترتي يا ماما.. يوم ما سألته على فلوس بابا وبصيتي في طبقك وسكتي، كنتِ بتمضي على قرار هدم البيت ده بإيدك.. روي مش بس سرق فلوسي، ده سرق سنين عمري

وإنتي كنتِ الشاهدة".

 

تم نسخ الرابط