مواجهة القدر حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​رفعت الشباك تاني، وجدتي شاورت للسواق. العربية بدأت تتحرك ببطء، وفي المراية اللي ورا، كنت شايفة البيت بياكله التراب، و"روي" وأمي واقفين في وسط المطر، صغار قوي، واللودرات بتحاصرهم من كل ناحية.
​جدتي طلعت تليفونها وقالت بلهجة آمرة: "ألو.. يا (مارك)، ارفع قضية الحجر والسرقة فوراً.. مش عايزة الكلب ده يلحق يهرب من البلد".
​بصتلي وطبطبت على إيدي: "إحنا مش رايحين القصر يا فرانسيس.. إحنا رايحين البنك، عشان نرجع كل مليم اتسرق منك.. وبعدها، هنبني قصر جديد، ملوش علاقة بالماضي ده خالص".
​غمضت عيني وصوت تكسير الحيطان لسه بيرن في ودني.. كانت أجمل مزيكا سمعتها في حياتي.

العربية كانت بتجري بينا بعيد عن "مابل ريدج"، ومن الشباك اللي ورا شفت سقف البيت وهو بينهار تماماً تحت ضربات اللودر، وكأنه كارتون بيطبق.. في اللحظة دي الإعصار بدأ يزمجر بجد، والشجر بدأ يميل، بس أنا كنت حاسة بدفا غريب لأول مرة من سنين.
​جدتي فيفيان بصت في ساعتها وقالت للسواق: "اطلع على الفندق اللي في وسط البلد، الجناح الملكي جاهز؟"
السواق رد بثبات: "جاهز يا فندم، وكل شنط الآنسة فرانسيس الجديدة وصلت هناك."
​بصيت لها باستغراب: "شنط إيه؟ أنا مش معايا غير الهدوم اللي عليا دي، وهي مبلولة ومتبهدلة."
​ضحكت ضحكة خفيفة فيها ثقة تكسر الصخر: "إنتي فاكرة إني كنت نايمة طول السنين دي؟ أنا كنت مراقبة روي وعارفة هو بيعمل إيه مليم

بمليم.. واليوم اللي كنت مستنياه هو اليوم اللي إنتي تقرري فيه تواجهيه. كان لازم أشوف قوتك الأول يا فرانسيس.. والنهاردة، إنتي أثبتي إنك (بالمر) حقيقية."
​وصلنا الفندق، ودخلت الجناح لقيت فساتين، وشوزات، وأحدث براندات كانت بالنسبالي حلم.. بس الأهم من ده كله، كان فيه ظرف محطوط على السرير.
فتحت الظرف، لقيت فيه شيك بمبلغ 250 ألف دولار، وجنبه مفتاح جناح في أغلى كومباوند في المدينة.
​"ده إيه؟" سألتها وأنا مذهولة.
قالت وهي بتقلع البالطو بتاعها: "ده حقك اللي روي خده والفوائد بتاعته كمان.. أنا سويت حساباته مع البنك بطريقتي، وهو دلوقتي مطلوب منه يسدد المبلغ ده فوراً وإلا هيبات في التخشيبة النهاردة قبل ما الإعصار يخلص."
​فجأة تليفوني رن.. كان رقم أمي.
جدتي شاورتلي بعينيها إني أرد وأفتح "الاسبيكر".
​صوت أمي كان طالع بالعافية وسط صوت الريح والمطر: "فرانسيس! روي اتقبض عليه يا بنتي! الشرطة جت خدته من وسط الأنقاض.. والبيت مابقاش فيه حتة تنفع ننام فيها.. أنا في الشارع يا فرانسيس، الدنيا بتشتي عليا ومفيش معايا مليم!"
​بصيت لجدتي، لقيتها بتبص لي بمنتهى الهدوء، وكأنها بتقولي: "دلوقتي جه وقتك إنتي."
​خدت نفس عميق وقلت ببرود: "يااه يا ماما.. الدنيا بتشتي عليكي وإنتي حافية ومكسورة؟ سبحان الله، نفس الإحساس اللي كان عندي من ساعتين بالظبط.. فاكرة روي قالي إيه؟ قالي لما تفتكر إزاي تحترم الكبير
ابقي ارجع.. وأنا بقولك، لما تفتكري يعني إيه تكوني أم.. ابقي دوري عليا."
​قفلت السكة في وشها، ورميت التليفون على السرير.
جدتي ابتسمت، ورفعت كاس عصير كانت ماسكاه وقالت: "نورتي عيلتك من جديد يا فرانسيس.. بكرة الصبح، هنروح نشتري الأرض اللي كان عليها البيت.. وهنحولها لجراج لعربيات الليموزين بتاعتي."
​قعدت على الكرسي وبصيت من الشباك على الإعصار وهو بياكل في المدينة، وأنا حاسة بانتصار ملوش أول من آخر.. الخوف اللي عاش جوايا 14 سنة، اتهد مع أول طوبة وقعت من البيت ده.

ثاني يوم الصبح، الإعصار كان هدي، بس الدنيا كانت لسه غرقانة. نزلت مع جدتي من الفندق، راكبين العربية الـ "رولز رويس" وورانا موكب حراسة مبيخلصش. وصلنا لمكان البيت.. قصدي لمكان "الأنقاض".
​المنظر كان يشفي الغليل. البيت اللي كان حابسني 14 سنة بقى عبارة عن كومة خشب مكسر وتراب مبلول. "روي" كان قاعد على الرصيف، الكلبشات في إيده، وهدومه اللي كان بيتباهى بيها بقت عبارة عن خرق. وأمي كانت واقفة بعيد، وشها باهت، ماسكة شنطة بلاستيك فيها شوية حاجات لمّتها من تحت الردم.
​أول ما شافوا العربية وقفت، "روي" حاول يقوم ويصرخ: "يا فيفيان! إنتي دمرتيني! القانون مش هيسيبك!"
​جدتي منزلتش من العربية حتى. شاورت للمحامي بتاعها، اللي نزل وفتح شنطته وطلع ورقة رسمية: "يا أستاذ روي، دي صيغة دعوى بتهمة التزوير، الاستيلاء على أموال قاصر، والفساد

المالي. وبالمناسبة.. الأرض اللي إنت واقف عليها دي، مدام فيفيان اشتريتها النهاردة الفجر بموجب مديونياتك للبنك. يعني إنت دلوقتي بتقتحم ملكية خاصة."
​بصيت لروي من ورا الإزاز الأسود، عينيه جت في عيني.. شفت فيها الرعب اللي كان بيزرعه فيا وأنا طفلة. بس المرة دي، هو اللي كان بيترعش.
​أمي قربت من شباك العربية وهي بتعيط: "فرانسيس.. أنا أمك.. مليش مكان أروح فيه، وروي هيتسجن.. هترمي أمك في الشارع؟"
​جدتي بصتلي وقالت بصوت واطي: "الكلمة كلمتك.. والقرار قرارك."
​نزلت الشباك سنتيمترات بسيطة، وقلت لها بصوت هادي ومسموع: "يا ماما، إنتي مش في الشارع.. إنتي في الدنيا اللي إنتي اخترتيها. أنا بعتلك مبلغ بسيط على حسابك، يكفيكي تعيشي في شقة صغيرة وتشتري أكل.. بس متدوريش عليا تاني. البيت اللي كان بيجمعنا اتهد.. والباب اللي قفلتيه في وشي، أنا شيلته خالص من حساباتي."
​شاورت للسواق يتحرك. وفي اللحظة دي، دخلت جرافة تانية وبدأت تشيل "الزبالة" اللي باقية من البيت عشان تمهد الأرض للجراج الجديد.
​جدتي فيفيان سندت ضهرها لورا وقالت بابتسامة نصر: "دلوقتي بس يا فرانسيس، نقدر نبدأ حياتنا بجد. السواق، اطلع بينا على المطار.. باريس مستنيانا."
​بصيت لآخر مرة من الشباك وضحكت.. روي كان بيتحمل في عربية البوليس، وأمي كانت واقفة لوحدها تماماً في وسط الفراغ. الإعصار مكنش "مارين" اللي دمر حياتهم.. الإعصار الحقيقي
كان رجوع "آل بالمر" لمكانهم الطبيعي.

تم نسخ الرابط