لقاء بعد فراق حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بعد 15 سنة من ضنايا اللي راح مني وهو عنده 4 سنين، قدمت القهوة لواحد غريب عنده نفس الوحمة.. فجأة بص لي وقال: "ثواني.. أنا عارفاكي."
​من خمستاشر سنة، دفنت ابني "ياسين".
كان يدوب 4 سنين.. صغير قوي على الموت، وصغير قوي على الوداع ده.
قالوا لي وقتها إن الموضوع جه فجأة.. عدوى نادرة ومحدش يتوقعها، حاجة مكنش ينفع تِتمنع.
فاكرة وأنا بمضي الورق ودموعي مغمية عيني، ومش شايفة قدامي. فاكرة كلامهم وهما بيقولوا لي بلاش تبصي عليه كتير..
"أحسن تفتكريه زي ما كان."
وحاولت أعمل كدة.
​بعد الجنازة الحياة موقفتش..
بس بقت هادية زيادة عن اللزوم.. وضيقة.
بعد كام سنة عزلت رحت مدينة تانية وبدأت من

أول وجديد.. اشتغلت في كافيه صغير في شارع زحمة، مكان محدش يعرف فيه اسمي ولا اللي مريت بيه.
اتعلمت إزاي أعيش من غير ما قلبي يتكسر كل ما أسمع ضحكة عيل صغير.
بس في حاجات مش بتموت أبداً.
زي الوحمة..
صغيرة، بيضاوية، وشكلها مش متساوي.
مكانها تحت ودنه الشمال بالظبط.
كنت دايماً أبوسه فيها كل يوم قبل ما ينام.
مسمحتش لنفسي أفكر في الموضوع ده من سنين.. لحد امبارح.
​كان يوم عادي جداً.. زحمة ودوشة وطلبات كتير فوق بعضها.
لحد ما دخل.
عنده 19 سنة، يمكن 20.. طويل وشكله عادي للوهلة الأولى.
قرب من الكاونتر وقال: "قهوة سادة لو سمحتي."
هزيت راسي ولفيت للماكينة..
وفي اللحظة دي شوفتها.
هو ميل
راسه شوية..
وهناك كانت موجودة.
نفس الوحمة.
نفس الشكل.
نفس المكان.
​إيدي اتجمدت مكانها.
لثانية واحدة مقدرتش أخد نفسي..
لأ.. أكيد صدفة.
الوحمات مش حاجة فريدة، وبتحصل لناس كتير.
ده اللي قلته لنفسي وأنا بصب القهوة وبحاول أداري رعشة إيدي.
بس مكنتش قادرة أبطل أبص عليه.
ولما جيت أسلمه الكوباية، صوابعنا لمست بعض.
رفع عينه وبص لي بتركيز..
ملامحه اتغيرت.
حيرة..
بعدها نظرة استيعاب.
كرمش جبهته شوية وقال:
"ثواني.. أنا عارفاكي."
​وفي اللحظة دي، كل حاجة افتكرت إني دفنتها من خمستاشر سنة رجعت لي في ثانية.
وقع مني فنجان القهوة واتكسر ميت حتة، ورجلي مكنتش شايلاني. بصيت له بذهول وسألته وصوتي
مخنوق: "عارفني منين يا ابني؟ إنت مين؟"
​سكت شوية وهو لسه باصص لوشي بتركيز غريب، وبعدين حط إيده على الوحمة اللي تحت ودنه وقال بصوت واطي: "أنا مش فاكر اسمك.. بس فاكر الوش ده كويس.. كنت بشوفه في أحلامي طول سنين الملجأ، كنت بشوفك وإنتي بتبوسي المكان ده قبل ما أنام."
​الدنيا دارت بيا.. ملجأ؟ ابني المفروض مات واندفن! مسكت في الكاونتر عشان ما اقعش وقلت له: "ملجأ إيه؟ أنا دفنت ابني بإيدي من 15 سنة!"
​بص لي بحزن وقال: "أنا معرفش إنتي دفنتي مين، بس أنا اتنقلت من بيت رعاية لبيت رعاية، والورق بتاعي كان بيقول إني ماليش أهل.. بس أنا كنت عارف إن ليا أم، كنت فاكر ريحتك، وفاكر الوجع اللي
كان في عينيكي آخر مرة شوفتك فيها."

 

تم نسخ الرابط