لقاء بعد فراق حكايات صافي هاني
في لحظة، كل الصور اتجمعت في دماغي.. الممرضة اللي كانت مستعجلة، المدير اللي قالي بلاش تبصي عليه، الورق الكتير اللي مضيته وأنا مش في وعيي.. هل ممكن يكونوا سرقوه؟ هل استغلوا صدمتي ووجعي وباعوا ابني عشان "العدوى النادرة" دي كانت مجرد كذبة؟
مقدرتش أتمالك نفسي، خدته في حضني وسط ذهول كل اللي في الكافيه، كنت بشم ريحته وببكي بقهره سنين ضاعت مننا.. ياسين مرجعش من الموت، ياسين أصلاً ماماتش، والنهاردة بس بدأت حياتي اللي وقفت من خمستاشر سنة.
طلعت تليفوني واتصلت بالمحامي بتاعي، مش بس عشان أرجع حقي، لكن عشان أحاسب كل واحد شارك في الجريمة دي، وأعرف مين الطفل الغريب اللي اندفن مكان ابني في قبرها البارد.
المحامي أول ما سمع صوتي المخطوف قالي: "اهدي يا مدام، اللي بتقوليه ده خطير ومحتاج إثبات". بصيت لياسين — اللي لسه مش مصدقة إنه واقف قدامي — وقلت له: "الإثبات قدامي، قلبي مش محتاج ورق، بس هنعمل تحليل DNA النهاردة قبل بكرة".
ياسين كان لسه مذهول، قعدنا على ترابيزة في ركن بعيد، وبدأ يحكي لي إنه قضى أول سنين حياته في ملجأ بعيد عن القاهرة، وكان دايمًا بيسأل عن أهله ويقولوا له "إنت جاي لنا من مستشفى، ومعاك تقرير إن أهلك مجهولين".
بدأت أربط الخيوط ببعضها.
تاني يوم، واحنا واقفين قدام المعمل بنعمل التحليل، كان ماسك إيدي بنفس الطريقة اللي كان بيمسكها وهو عنده 4 سنين. لما طلعت النتيجة "تطابق 99.9%"، مكنتش محتاجة الورقة عشان أصدق، بس كنت محتاجاها عشان أهد المعبد على دماغ كل اللي خانوا الأمانة.
فتحت المحضر، والنيابة بدأت تحقق مع طاقم المستشفى اللي كان شغال من 15 سنة. المدير اللي كان بيقولي "افتكريه زي ما كان" طلع هو الراس الكبيرة في شبكة تجارة أطفال كانت بتستهدف الأمهات اللي ملهمش ضهر أو اللي بيقعوا من الصدمة.
ياسين مرجعش لحضني بس، ياسين رجع لي روحي. وبالرغم من السنين اللي ضاعت، قررنا إننا مش هنبكي على اللي فات، هنبدأ من اللحظة دي.. وكأن الـ 15 سنة كانت مجرد كابوس طويل، وصحينا منه على ريحة القهوة ونفس الوش اللي م فارق خيالي لحظة.
المحامي كمل إجراءات القضية، وبدأت الرؤوس الكبيرة تقع واحد ورا
ياسين كان بيسمع الكلام ده وهو مش مصدق، بص لي وقالي: "يعني أنا عشت السنين دي كلها فاكر إن ماليش حد، وإنتي كنتي بتموتي كل يوم وانتي فاكرة إني تحت التراب؟"
قلت له بدموع: "الحق مبيضعش يا ابني، ولو بعد حين. المهم إنك رجعت."
بعد شهور من المحاكم، صدر الحكم وسجنوا المدير والممرضة، بس الأهم من السجن كان الاعتراف اللي خلاه ينام مرتاح لأول مرة. ياسين بدأ يتعرف على عيلته الجديدة، وبدأنا نعوض كل ثانية فاتت بالحب والحنان.
المقهى الصغير اللي كان مجرد مكان للهروب من الماضي، بقى هو المكان اللي شهد المعجزة. مسبتش الشغل فيه، بل بالعكس، اشتريته وبقى ملكي أنا وياسين، وسميناه "كافيه الوحمة".. عشان كل ما نبص للاسم، نفتكر إن القدر أقوى من أي مؤامرة، وإن اللي مكتوب لنا هنشوفه مهما طال الزمن.
النهاردة، وأنا واقفة ورا الماكينة وبقدم القهوة، مبقتش بخاف من ضحكة الأطفال، لأني عارفة إن ابني قاعد على الترابيزة اللي قدامي، بيشرب قهوته وبيبتسم لي، وفي كل مرة
بعد ما الحقيقة ظهرت، ياسين مكنش بس ابني اللي رجع، ده بقى سندي. قررنا نفتح القبر اللي مدفون فيه الطفل التاني عشان ندفنه بكرامة وباسمه الحقيقي اللي عرفناه من التحقيقات، وكأننا بنقفل باب الوجع ده للأبد.
ياسين بدأ يدرس حقوق، قالي: "يا أمي، مش عايز حد تاني يعيش الوجع اللي عيشناه، عايز أرجع حقوق الناس اللي اتسرقت زينا." ملامحه بقت أقوى، وصوته بقى فيه ثقة، بس لسه لما بيجي ينام، بيميل راسه عشان أبوسه مكان الوحمة، وكأنه لسه طفل الـ 4 سنين اللي ضاع مني.
المحل كبر وبقى سلسلة كافيهات "ياسين"، والناس بقت تيجي من كل مكان مش عشان القهوة، عشان يسمعوا حكايتنا اللي بقت أمل لكل حد فاقد غالي. اتعلمت إن مفيش وجع بيدوم، وإن الصبر آخره جبر خاطر مكنتش أتخيله.
وفي يوم، كنت قاعدة معاه في البلكونة وبنشرب القهوة سوا، بص لي وضحك وقالي: "عارفة يا أمي، القهوة السادة اللي طلبتها يومها كانت أصعب حاجة شربتها في حياتي، بس كانت السبب إن حياتي تحلو."
حضنته وقلت له: "يا نور عيني، إنت اللي حليت الدنيا كلها." ومن يومها، مبقتش أخاف من بكرة، لأن اللي رجع لي ابني من تحت التراب، قادر يحميهولي طول
تمت.