الام والباب المغلق حكايات صافي هاني
رأفت حط شنطته على المكتب وطلع ظرف أسود:
"دي استقالتك يا أستاذ أحمد، وبصفتي الموكل الرسمي عن الحاجة فوزية، ببلغك بإنهاء خدماتك من المجموعة فوراً."
أحمد ضحك باستهزاء:
"استقالة إيه؟ إنت بتهزر؟ دي شركتي!"
رأفت رد بكلمة واحدة:
"الشركة في السجل التجاري باسم والدتك، وإنت كنت مجرد موظف بصلاحيات واسعة.. والصلاحيات دي اتسحبت."
العودة للواقع
رجعت البيت، وجبت قفل جديد لباب شقتي في وسط البلد، وقعدت مع "ليلى" حفيدتي اللي بعتُّ السواق يجيبها تقضي معايا اليوم، لأنها الوحيدة اللي شافت وجعي.
بعد ساعتين، التليفون مابطلش رن.
"أحمد" بيتصل.. كنسلت.
"ريهام" مراته بتبعت رسائل اعتذار وتمسكن.. عملت بلوك.
لحد ما لقيتهم واقفين قدام باب شقتي القديمة، بيخبطوا بهستيريا. فتحت الباب وأنا ساندة على عصايتي، وبصيت لأحمد اللي كان وشه أصفر وضايع:
"يا ماما، إحنا آسفين، الشيطان دخل بينا، دي فيلتك ومكانك والبيت بيتك!"
بصيت له بكل هدوء وقلتله:
"الفيلا معروضة للبيع من بكره، وعربياتكم هترجع
النهاية
أحمد مكنش خايف عليا، كان خايف على "البرستيج".
أنا مكنتش محتاجة فلوسهم، أنا كنت محتاجة "حنيتهم" اللي ضاعت في زحمة المظاهر.
طلبت منه يلم هدومه هو ومراته من الفيلا في ظرف 24 ساعة، وقلتله الجملة اللي قطعت نفسه:
"زي ما قولتلي إمبارح إنكم مش دار مسنين.. أنا كمان بيتي مش ملجأ للي بياكلوا خيري وينكروا فضلي."
مضيت على أوراق التنازل عن نصيبهم في كل حاجة لدار أيتام، وقررت أعيش اللي فاضل لي من غير "وجع ضهر" ولا "وجع قلب".
الخلاصة:
العز مش بفلوس البنوك، العز باللي يصونك في عز وجعك. وكما تدين تدان، والباب اللي يتقفل في وش الأم، مبيفتحش غير في وش صاحبه نار.
أحمد وقف قدام الباب مش مصدق، عينيه كانت بتلف في الطرقة بتاعة عمارة وسط البلد القديمة اللي كان بيقرف يدخلها، ودلوقتي بقت هي "طوق النجاة" الوحيد ليه. ريهام مراته كانت واقفة وراه، وشها اللي كان كله كبرياء وتناكة دبل، وبقت تحاول تبتسم
قاطعتها برفع إيدي:
"وفّروا الكلام ده.. أنا لا طنطك، ولا أعرفكم. إنتوا النهاردة عرفتوا قيمة (الورقة) اللي كانت سانداكم، بس نسيتوا (الإيد) اللي كتبت الورقة دي."
أحمد صوته بدأ يترعش:
"يا أمي هروح فين؟ الشغل وضاع، والفيلا وهتتأخد، والعربيات هتتسحب.. عايزة تشرديني أنا ومراتي وبنتي؟"
بصيت لـ "ليلى" حفيدتي اللي كانت واقفة ورايا وماسكة في جلابيتي، وقلتله:
"بنتك في عينيا، تفضل هنا معززة مكرمة، تروح مدرستها وتعيش حياتها.. لكن إنت ومراتك، قدامكم حل من اتنين: يا تدوروا على شقة إيجار بمرتباتكم اللي لسه هتحاولوا تلاقوها في أي شركة تانية -ده لو حد رضي يشغلكم- يا إما تروحوا تعيشوا في بيت أهل ريهام اللي كنتوا بتستعروا منهم."
اللحظة الحاسمة
ريهام بصت لأحمد بمذلة، وأحمد بص للأرض. في اللحظة دي عرفت إن "الكسرة" اللي شفتها في عينيهم هي بالظبط نفس الكسرة اللي حسيت بيها وأنا واقفة في المطر. بس الفرق
طلعت مفاتيح الفيلا من شنطتي ورميتهم قدام رجله:
"معاك 24 ساعة تلموا حاجتكم الشخصية بس.. أي حاجة تانية اشتريتها بفلوسي هتفضل مكانها. والفيلا دي من الشهر الجاي هتكون (دار استضافة) للأمهات اللي ولادهم رموهم، عشان المكان اللي رفض يستقبل أم، يستقبل مية أم غيرها."
النهاية القوية
أخدت حفيدتي ودخلت شقتي، وقبل ما أقفل الباب، بصيت له وقلت:
"في قانون ربنا يا أحمد، الجنة تحت أقدام الأمهات.. وإنت اخترت تدوس على رجلي وهي مجروحة، فمستنيش إن الجنة تفتحلك بابها.. الباب اللي اتقفل في وشي، قفل معاه مستقبلك كله."
رزعت الباب، ولأول مرة من سنين، حسيت إن ضهري اللي كان واجعني "اتفرِد". مش عشان انتقمت، لكن عشان علمتهم إن "الأصل" مبيتشتريش بفلوس، وإن الأم هي السقف اللي لو وقع، البيت كله بيتحول لخرابة.
أحمد وريهام نزلوا السلم وهما بيجروا خيبتهم وراهم، وأنا قعدت أصلي ركعتين شكر لله، ومعايا "ليلى" بنتي الجديدة اللي هربيها
تمت.