جارتي المسنه حكايات صافي هاني
حيلته حاجة في الدنيا، لصاحب ملايين، والأهم من الملايين.. بقى عندي قصة أصلية وعيلة، حتى لو كانت الست اللي صنعتها معايا فارقت الدنيا.
أول حاجة عملتها، رحت للمحامي وشكرته، وعرفت منه إن السيدة رود رتبت معاه كل حاجة من شهور عشان تضمن إن الورق ده يوصلي في السر وبأمان قانوني كامل من غير ما قرايبها يقدروا يرفعوا عليا قضية واحدة.
بعت الأراضي والأسهم دي، وفتحت بفلوسها شركة مقاولات صغيرة في البلد، وبقيت بشتغل لحسابي. نقلت من الشقة الضيقة اللي كنت مأجرها، واشتريت بيت واسع وجميل، بس أول حاجة نقلتها معايا للبيت الجديد وحطيتها في مكان مميز في الصالة، كانت علبة الغدا الصاج المطبقة، وجواها الشراب الأخضر القبيح.
كل ما الدنيا كانت تضيق عليا أو أفتكر أيام الملجأ والوحدة، كنت ببص للشراب ده وأبتسم، وأفتكر الست الحنينة اللي لسانها كان سليط بس قلبها كان أبيض من الحليب، وأقول لنفسي الحمد لله، نامي مرتاحة يا سيدة رود.. ابنك بقى واقف على رجليه.
ومرت السنين، والشركة كبرت وبقت واحدة من أكبر
أنا استغربت لأن زي ما قلت، أنا ماليش عيلة. لما خليتها تدخل، لقيتها ست في الخمسينات من عمرها، ملامحها تعبانة، وأول ما شافتني عيطت وقالت لي أنا بنت أخت السيدة رود.. أنا ندمانة يا جيمس.
قالت لي إن المجوهرات والفلوس اللي خدوها من الوصية خلصت في المحاكم والمشاكل، وإنهم عرفوا بطريقتهم إن السيدة رود سابت لي ثروة كبيرة. كانت جاية تطلب مني شغل أو مساعدة مالية عشان تسدد ديونها.
في اللحظة دي، افتكرت كلام السيدة رود عنهم، وافتكرت الجفاء اللي كانوا بيعاملوا بيه الست الغلبانة دي وهي عايشة ومريضة. كان ممكن بكل سهولة أطردها بره مكتبي وأنتقم منها.. بس بصيت على مكتبى، ولقيت نفسي حاطط صورة صغيرة للسيدة رود وهي بتضحك.
افتكرت إن السيدة رود ما علمتنيش القسوة، علمتني يعني إيه أمان ودفا. بصيت لبنت أختها وقلت لها أنا مش هديكي فلوس في إيدك.. بس أنا هوظفك
الست عيطت وفضلت تشكرني، وأنا حسيت براحة ماليش مثيل. عرفت إن الورث الحقيقي اللي السيدة رود سابتهولي ما كانش الملايين، الورث الحقيقي كان إني بقيت إنسان بجد، إنسان قادر يحب ويقيف جمب الناس، بعد ما كنت مجرد شاب ضايع في الدنيا وخايف من بكرة. ومن اليوم ده، اتأكدت إن روح السيدة رود أكيد شيفاني ودلوقتي هي مرتاحة ومبسوطة بيا.
وعدت الأيام، وبنت أختها التزمت فعلاً في الشغل، وبقت من أكتر الناس المخلصين في الشركة، وكأنها كانت بتحاول تكفر عن السنين اللي سابت فيها خالتها لوحدها.
وفي يوم، وأنا بقلب في ألبوم الصور القديم اللي السيدة رود سابتهولي في الصندوق، لقيت ورقة مطوية ومستخبية ورا آخر صورة.. ورقة أنا ما خدتش بالي منها زمان.
فتحتها وأنا مستغرب، ولقيت مكتوب فيها بخطها المهزوز
يا جيمس، لو وصلت للسطر ده، فغالباً السنين عدت وأنت بقيت راجل ناجح ومبسوط. أنا عشت حياتي كلها ندمانة على
الورقة وقعت من إيدي، ودموعي نزلت مغرقة وشي. ركبي سابت تاني زي أول مرة، بس المرة دي من الصدمة والفرحة مع بعض. أنا ما كنتش بس جاد لست غريبة.. أنا كنت بار بأمي من غير ما أعرف.
بصيت لعلبة الغدا والشراب الأخضر، وحضنت الورقة جامد وقلت يا حبيبتي يا أمي.. ربنا ما حرمنيش منك، ورجعني ليكي في الآخر.
ومن يومها، بقيت بشتغل وبكبر في الشركة وعيني على السما، وعرفت إن مفيش حاجة بتحصل بالصدفة، وإن ربنا رتب كل الخطوات دي عشان في الآخر، الشاب اللي عاش من غير عيلة.. يموت وهو في حضن عيلته