في قاعة المحكمه حكايات صافي هاني
القاضي بدأ يبص في الورق بتركيز، وملامح وشه اتغيرت تمامًا وهو بيقرأ الأرقام والتحويلات الموثقة.
فيكتور حاول يقف ويتكلم: "سيادة القاضي، الكلام ده مش حقيقي، دي افتراءات!".
القاضي خبط بالشاكوش وقال بحزم: "هدوء في القاعة! المحامين بس هم اللي يتكلموا".
أمي بفت لفيكتور بكل برود، وقالت بصوت واطي بس واثق وصله هو ومراته التانية: "أنا سيبتك تفتكر إنك كسبت، عشان لما تقع.. تقع من مكان عالي وماتقومش منه تاني".
في اللحظة دي، عرفت إن الركلة الصغيرة اللي في بطني كانت صح.. الدنيا برة القاعة كانت بتتغير لحسابنا، والراجل اللي كان فاكر إنه دفنني، بقا هو اللي بيدور على مخرج من المصيدة اللي وقع نفسه فيها.
القاضي رفع عينه من الورق وبص لفيكتور بنظرة حاسمة، وقال للمحامي بتاعه: "المحكمة هتأجل الجلسة دي لمدة ساعتين للاطلاع الكامل على المستندات والتقارير المالية المقدمة من وكيل المدعية.. وترفع الجلسة".
أول ما القاضي قام، القاعة اتقلبت همس ودوشة تاني، بس المرة دي الهمسات ما كانتش عليا.. كانت عليه هو.
فيكتور وقف مكانه مش قادر يتحرك، وشه كان شاحب والكدب اللي عاش فيه تلات سنين انهار في ثواني. كاميل وقفت جنبه وبدأت تشد في إيده وهي متوترة وبتقول بصوت مسموع: "فيكتور! إيه الكلام ده؟ يعني إيه البيت مش بتاعنا؟ يعني إيه حسابات الشركة متجمدة؟"
هو ما ردش عليها.. عينه كانت مثبتة على أمي اللي كانت واقفة بكل هدوء بتعدل ياقة جاكيت البدلة بتاعها.
قرب فيكتور مننا بخطوات سريعة، والغرور اللي كان مالي وشه اتمسح تمامًا، وقال لأمي بصوت بيترعش: "طنط.. أرجوكي، احنا ممكن نحل الموضوع ده ودي برة المحكمة.. إيلينا مراتي وأم ابني، ومش هينفع اللي بيحصل ده قدام الناس".
أمي بصلتله من فوق لتحت بابتسامة خفيفة كلها ثقة، وقالتله: "دلوقتي بقت مراتك وأم ابنك؟ لما كنت بتقفل الباب في وشها وهي حامل وتقولها إنها مجنونة وغبية، ما فكرتش في ابنك؟ لما كنت بتشهد المحامي بتاعك إنها عاطلة وما تفهمش حاجة، كنت فاكر إن مالهاش ضهر؟"
فيكتور بصلي وهو بيحاول يستعطفني: "إيلينا.. انتي هتهدي كل اللي بنيناه؟"
قبل
فيكتور رجع خطوة لورا وكأنه أخد خبطة على دماغه.. كاميل سابته ووقفت بعيد وهي بتبص لشنطتها ولفستانها بحسرة، كأنها أدركت إن المركب اللي ركبتها بتغرق خلاص.
أمي حطت إيدها تحت دراعي وقالتلي بحنان: "يلا يا بنتي، نطلع نستريح في الاستراحة برة لحد ما القاضي يرجع.. خلاص، حقك رجع وزيادة".
وأنا قايمة من على الكرسي، بصيت لفيكتور للمرة الأخيرة.. ما كنتش حاسة بشماتة، كنت حاسة بنظافة، كأن الهوا اللي داخل صدري بقا نقي لأول مرة من سنين. سندت إيدي تاني على بطني، والمرة دي ابتسمت.. لأن ابني مش هيتولد في بيت فيه إهانة، هيتولد وهو عارف إن أمه قوية، ووراها عيلة ما بتسيبش حقها.
مرت الساعتين وكأنهم عشر سنين، بس المرة دي السنين كانت بتجري لصالحي أنا. قعدت في الاستراحة وأمي جمبي مش سايبة إيدي، والمحامين حوالينا بيراجعوا آخر أوراق القضية بكل ثقة وهدوء.
لما نادى حاجب المحكمة على الأسامي تاني عشان ندخل القاعة، كانت الأجواء اتغيرت تمامًا. فيكتور دخل وهو باصص في الأرض، وضهره اللي كان مفرود بالغرور اتقوس، والمحامي بتاعه كان واقف وشه عرقان وبيقلب في ورق بين إيديه برعشة واضحة. كاميل حتى ما دخلتش القاعة معاه، فضلت قاعدة برة بعيد وكأنها بتغسل إيدها من الليلة دي كلها.
وقفنا قدام منصة القاضي، اللي دخل وبص لفيكتور بنظرة صارمة، فتح الملفات الجديدة وضبط نظارته وبدأ ينطق بالحكم:
"بناءً على المستندات والتقارير المالية الموثقة والمقدمة من دفاع المدعية، والتحقيقات الجارية من الجهات المختصة بشأن الحسابات المصرفية وعقود الملكية.. حكمت المحكمة بالآتي:
أولاً: تطليق المدعية 'إيلينا' من المدعى عليه طلقة بائنة للضرر.
ثانياً: إلزام المدعى عليه برد
ثالثاً: بطلان عقد نقل ملكية منزل الزوجية، وإعادة تسجيله كاملاً باسم المدعية، مع طرد المدعى عليه منه فوراً.
رابعاً: إلزام المدعى عليه بنفقة متعة ونفقة عدة ومؤخر صداق، بالإضافة لتكفله الكامل بمصاريف الولادة والرعاية الطبية اللاحقة للطفل".
صوت خبطة الشاكوش نزلت على قلب فيكتور زي الصاعقة. المحامي بتاعه سحب شنطته ووشوشه بكلمتين ومشي بسرعة قبل ما الأمور تتطور أكتر. فيكتور لفت ودراعه اتهز وهو بيبصلي، حاول يقرب ويقول: "إيلينا.. أرجوكي.. أنا هخسر كل حاجة.. المستثمرين هيسحبوا فلوسهم والشركة هتقفل.. احنا ممكن..."
أمي وقفت في النص وبصتله بكل حسم وقالت: "اللي بنيته على كسر خاطر بنتي واستغلال تعبها، مش حقك عشان تزعل عليه.. اللعبة خلصت يا فيكتور".
اتنين من رجال الأمن بتوع المحكمة قربوا منه وطلبوا منه يخرج برة القاعة فوراً عشان الجلسة اللي بعدها تبدأ. خرج وهو بيجر رجليه، مكسور ومطأطأ الرأس، والراجل اللي كان من كام ساعة بيقولي "وريني هتعيشي إزاي من غيري"، بقا هو اللي مش عارف هيعيش إزاي من بكرة.
خرجت من باب المحكمة، الشمس كانت طالعة وحامية، بس الهوا كان بارد ومريح على وشي. أمي لفت ليا وحضنتني جامد وقالتلي: "مبروك يا قلب أمك.. من النهاردة مفيش دموع تاني".
حطيت إيدي على بطني، وحسيت بركلة خفيفة وهادية المرة دي، كأن ابني كمان استريح وعرف إننا بقينا في أمان. بصيت للسما واتنفست بكل قوتي.. أنا مش بس نجوت من غيره، أنا بدأت أعيش بجد.
بعد ما نزلنا من على سلم المحكمة، العربية كانت مستنيانا برة. ركبت أنا وأمي ورا، والمحامين ركبوا العربيات اللي ورانا عشان يروحوا يقفلوا ملفات الشركة ويستلموا الصيغة التنفيذية للحكم.
طول الطريق وأنا باصة من شباك العربية على الشوارع والناس، حاسة إن فيه حمل جبال انشال من على كتافي. أمي طبطبت على إيدي وقالتلي: "دلوقتي بقى يا إيلينا، تفكري في نفسك وفي ابنك اللي جاي.. من بكرة هتيجي تقعدي معايا في
ابتسمت ودموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة وراحة: "ربنا يخليكي ليا يا أمي.. أنا لولاكي ما كنتش عارفة كنت هعمل إيه".
أمي ردت بثقة: "أنا سيبتك تاخدي وقتك وتتعلمي، بس كان لازم أتدخل في الوقت الصح.. الراجل اللي يفتكر إن مفيش ضهر لمراته، لازم يتعلم الأدب بالقانون".
بعد مرور شهرين...
كنت قاعدة في جنينة فيلا أمي، في الشهر التاسع، والجو كان هادي وجميل. الموبايل بتاعي رن، كان المحامي بتاعي.
رديت عليه: "أيوة يا متر، خير؟"
المحامي قال بابتسامة باينة في صوته: "مبروك يا مدام إيلينا.. النهاردة رسميًا تم نقل ملكية البيت لاسمك، وفيكتور أمواله كلها اتجمدت، والشركة أعلنت إفلاسها بعد ما المستثمرين سحبوا فلوسهم لما عرفوا بقضية التزوير والضرائب.. وفيكتور دلوقتي بيدور على أي شغلانة صغيرة عشان يدفع ربع النفقة المحكوم بيها، ومراته التانية سابته ورجعت لأهلها أول ما عِرفت إن مبقاش حيلته مليم".
قفلت الخط وأنا مش حاسة بأي حزن عليه.. هو اللي اختار يظلم، والدنيا دارت عليه وربنا رد لي حقي تالت ومتلت.
وفجأة.. حسيت بوجع شديد في بطني، وجع مختلف ومفاجئ. الوجع زاد وخلاني أتحرك بصعوبة وأنا بنده بأعلى صوتي: "ماما! الحقيني يا ماما.. شكلي بولد!".
أمي جريت عليا بلهفة، وشالت معايا الشنطة اللي كنا مجهزينها، وخلال دقايق كنا في المستشفى.
جوه أوضة العمليات، وسط التعب والوجع، كنت بفتكر كل لحظة كسرة عشتها، وكل كلمة إهانة سمعتها.. بس أول ما سمعت صوت صرخة ابني العالية مالي الأوضة، كل الوجع ده اتمسح.
الدكتور قرب مني وهو مبتسم وحاطط البيبي جمبي: "مبروك يا مدام إيلينا.. ولد زي القمر، ألف حمد الله على سلامتك".
بصيت لوشه الصغير الملائكي، لثمته وبوسته، ودموعي نزلت.. بس المرة دي دموع نصر وقوة.
أمي دخلت الأوضة وعينيها مليانة دموع وفرحة، وطت باست دماغي وقالتلي: "يتربى في عزك يا بنتي.. هتسميه إيه؟"
بصيت لابني وقلت بكل فخر: "هسميه 'آدم'.. عشان يبدأ حياته في الدنيا دي وهو عارف إن أمه قوية، وإن عيلته مب تسيبش حقها، وعشان يكبر ويطلع راجل
تمت حكايات صافي هاني