رواية كاملة

لمحة نيوز

الجزء الثاني
كانت غرفة الطوارئ تفوح برائحة الكحول والقهوة القديمة والخوف. كانت مريم مستلقية على سرير مع محلول جلوكوز وريدي، شفتاها بلا لون، ويدها الصغيرة بالكاد يظهر منها الجلد تحت اللاصق الطبي.
راجعت طبيبة الغدد الصماء للأطفال، الدكتورة نجلاء، سجل مضخة الإنسولين. كان تعبير وجهها يزداد قسوة مع كل شاشة تقلبها.
“هذا ليس خطأً عارضًا”، قالت.
شعرت بعقدة في حلقي.
“هل أنتِ متأكدة؟”
“لتعديل هذا الجهاز يجب فتحه، الدخول إلى القائمة، اختيار الجرعة، ثم التأكيد. هناك عدة خطوات.”
وضعت يدي على فمي.
“ما الذي كان يمكن أن يحدث لها؟”
نظرت الطبيبة إلى مريم قبل أن تجيب:
“تشنجات… غيبوبة… تلف في الدماغ… أو الموت.”
الموت.
ابنتي كانت يمكن أن تموت وهي نائمة، بينما أختي نورا تعود إلى المنزل لتأكل مع والديّ وكأن شيئًا لم يحدث.
في منتصف الليل اتصلت بوالدتي.
“مريم في المستشفى”، قلت وأنا أبكي. “نورا عبثت بمضخة الإنسولين.


ساد صمت طويل.
ثم قالت أمي:
“يا ليلى… من فضلك لا تبالغي.”
تجمدت.
“يا أمي، هناك تسجيلات. المضخة تسجل كل شيء.”
أخذ والدي الهاتف.
“مرة أخرى تلومين أختك؟ نورا فقط مشتتة، ليست سيئة.”
“أبي، سكر مريم كان 38.”
“أنتِ أمها، كان يجب أن تنتبهي لها.”
كانت تلك الكلمات أشد من أي إهانة.
في اليوم التالي جاءوا إلى المستشفى. كانت أمي تحمل بالونًا ملونًا، وأبي يدخل بوجه جامد، ونورا خلفهم بنظارات سوداء وكأنها الضحية.
“كيف حال طفلتي الجميلة؟” قالت أمي.
اختبأت مريم في صدري.
“الطبيبة تقول إنها نجت لأننا تدخلنا بسرعة”، قلت.
عبس أبي.
“لا تبالغي أمام الطفلة.”
أخرجت نسخة من التقرير الطبي.
“هنا الدليل. المضخة تم العبث بها عندما كانت نورا في الغرفة.”
نورا ابتلعت ريقها للحظة… لحظة واحدة فقط، لكنني رأيتها.
مزق أبي الورقة.
“كفى أكاذيب ضد أختك”، قال.
الممرضة تجمدت مكانها.
“لقد مزقت دليلًا طبيًا”، قلت.
“مزقت أكاذيبك”، رد.
ضحكت
نورا ضحكة قصيرة.
“كان مبالغًا فيه فعلًا رؤيتكِ تبكين هكذا”، قالت.
تجمد كل شيء.
“ابنتي كادت تموت.”
اقتربت أمي وصفعتني.
“لا تتكلمي بهذه الطريقة عن أختك!”
بدأت مريم بالبكاء.
 ، ويدي ترتجف.
“أنا هنا يا حبيبتي… لن يلمسك أحد.”
وصل الأمن، ثم عادت الطبيبة بنسخة أخرى من التقرير.
“هذه نسخ”، قالت ببرود. “الأصل محفوظ.”
ثم تذكرت شيئًا.
منذ شهرين، بعد حادث سرقة في الحي، كان زوجي قد ركب كاميرا في غرفة المعيشة.
فتحت التطبيق.
بحثت عن الوقت.
وظهر الفيديو.
الجزء الثالث
أظهر الفيديو كل شيء.
نورا جالسة.
مريم نائمة.
يدها تقترب من المضخة.
تفتح القائمة.
تغير الجرعة.
تؤكد.
صمت كامل.
لا تفسير.
لا دفاع.
نظرت أمي إلى الشاشة دون كلام. أبي خفض رأسه. نورا بدأت تبكي.
“كنت فقط أريد أن أرى ماذا يحدث”، قالت.
“هذا ليس فضولًا”، قالت الطبيبة.
“تم إعطاء جرعة إنسولين لطفلة نائمة. هذا اعتداء طبي.”
أُخرجوا من المستشفى.
حاولت أمي
مواساة نورا بدل الاعتذار لمريم.
بعد ساعات وصلت الشرطة. أخذوا الإفادات، وشاهدوا الفيديو، وقالوا:
“هذه ليست مزحة. هذا اعتداء على طفل.”
خرجت مريم من المستشفى في اليوم التالي.
ظننت أن الأمر انتهى… لكنه لم ينتهِ.
وصلني اتصال:
“تم تقديم بلاغ ضدكِ بالإهمال.”
أرادت عائلتي أن يأخذوا مريم مني.
لكن الفيديو كان الدليل.
المحامية قالت:
“القضية ستنقلب ضدهم.”
تم إسقاط البلاغ.
وبعد أيام تم توقيف نورا.
اتصل بي أبي:
“أنتِ تدمرين العائلة.”
“لا”، قلت. “أنتم من فعل ذلك عندما اخترتم تبرير ما فعلته.”
في المحكمة، عُرض الفيديو.
لم يتكلم أحد.
أدينت نورا.
وفقد والداي حق القرب من مريم.
انتقلنا إلى مدينة أخرى. بدأت مريم العلاج النفسي.
ذات يوم سألتني:
“هل كانت عمتي تريد إيذائي؟”
“نعم… لكنها انتهت. وأنا كنت معك دائمًا.”
 بقوة.
وأدركت شيئًا مهمًا:
أحيانًا لا يكون الشفاء في الغفران…
بل في اختيار الحقيقة، حتى لو خسرتِ الجميع.

لأن بعض العائلات تُبنى على الصمت…
لكن بعض الأمهات تُبنى على الحماية.

تمت حكايات محمد عبده 

تم نسخ الرابط