رواية كاملة
الجزء الثاني
لما وصلت للعربية، الموبايل كان بيترعش في إيدي من كتر الرن.
أول واحدة أمي… بعدها مريم… بعدها حسام… وبعدهم أبويا.
ما رديتش.
فضلت قاعد قدام الدركسيون، ببص على الفيلا وهي منورة، وصوت الأغاني شغال كأن ولا حاجة حصلت.
بس الحقيقة… كل حاجة كانت اتغيرت.
بعد ربع ساعة، الرسائل بدأت توصل:
أمي:
“يا ابني رد… أبوك متعصب جدًا.”
حسام:
“إيه ده؟ هو الورق ده كان فلوس؟!”
مريم:
“أحمد، بلاش تعمل دراما… ده كان هزار.”
هزار.
دايمًا هزار.
زي لما حسام قال في عيد مرة إني أكيد لسه سنجل علشان “مفيش واحدة تستحمل واحد غريب زيي”.
وزي لما مريم قالت قدام ولادها إني شغال “على الكمبيوتر عشان مش بعرف أتعامل مع الناس”.
وزي لما أمي عرّفتني لجارتها وقالت: “ده أحمد… المعقد شوية”.
اللي ما يعرفوش… إن “المعقد” ده كان بيدفع لهم حياتهم من ورا ضهرهم.
لما أبويا اتأخر في أقساط البيت… أنا اللي كنت بحوّل الفلوس بشكل غير مباشر.
لما مريم مقدرتش تدفع مصاريف أولادها… أنا اللي دفعت 6 شهور.
لما حسام عمل حادثة وهو سكران… أنا اللي دفعت للمحامي.
حتى رحلة الساحل اللي كانوا بيتباهوا بيها على فيسبوك… كانت من حسابي أنا.
كنت عايز
بس الليلة دي فهمت… إنهم مش عايزين يشوفوني أصلاً.
هم محتاجينني أكون الفاشل… عشان يهربوا من إحساسهم بالظلم اللي عملوه.
دورت العربية ومشيت.
قبل ما أطلع على الطريق، ابن خالي رامي اتصل بيا:
— أحمد… إنت كويس؟ مريم نزلت حاجة غريبة جدًا.
وقفت بالعربية وفتحت فيسبوك.
لقيت الصورة:
الترابيزة… التيشيرتات… الكيكة… وكلهم بيضحكوا.
والكابشن:
“في ناس ما بتعرفش تعيش وسط عيلة… حتى لو عملوا مشاكل، بنتمنا لهم الشفاء.”
الكومنتات كلها تعاطف معاهم:
“حرام عليكم.”
“دايمًا في واحد سام في العيلة.”
“حسبي الله، بوّظ القعدة.”
حسيت ببرودة في صدري.
مش بس أهانوني…
ده كمان قلبوا القصة عليّا.
حسام نزل بوست بعدها:
“أخويا محتاج مساعدة… خوّفنا كلنا النهاردة.”
ومريم ردت بقلب مكسور.
وأمي نزلت جملة:
“أحيانًا أكتر ولادك اللي بتحبهم… هم اللي بيوجعوك.”
ساعتها عملت الحاجة الوحيدة اللي عمرهم ما توقعوها.
بعت إيميل للمحامي:
“انشر كل المستندات. كلها. بالتواريخ والإثباتات. وابعت نسخة لصحفي.”
بعد خمس دقايق، مساعدتي بعتت:
“ننزل مقابلة مجلة الأعمال دلوقتي ولا نستنى؟”
بصيت على بواقي الورق اللي كنت لسه قاطعه.
— نزلوها النهاردة.
بالليل، المقال نزل بعنوان:
“رجل أعمال مصري موّل عيلته 10 سنين… وهم بيقولوا عليه فاشل.”
وفيه كل حاجة:
التحويلات، القروض، المصاريف… وصورة التيشيرت.
في ساعة واحدة… الدنيا اتقلبت.
بس الأسوأ… لسه ما ظهرش.
الجزء الثالث
تاني يوم… العيلة ما كانتش بتتصل تطمن عليّا.
كانوا بيتصلوا يطلبوا مني أمسح المقال.
مريم بعتت ڤويس بتعيط… بس مش ندمانة:
— إنت عارف إنت عملت إيه في ولادي؟! المدرسة كلها بتسألنا لو إحنا عايشين من فلوسك!
حسام بعت عشرات الرسائل:
“إنت مريض.”
“شايف نفسك علشان معاك فلوس.”
“الفلوس مش هتشتري عيلة.”
أبويا بعت رسالة واحدة:
— تعالى اتكلم زي الرجالة.
سمعتها كذا مرة…
كنت مستني جملة تانية:
“آسفين”…
“غلطنا”…
“بنحبك”…
بس مفيش.
بعدها جات الضربة الأخيرة.
رامي بعتلي سكرين شوت من جروب العيلة.
مريم بتقول إن فلوسي “مشبوهة”.
حسام بيقول إني “مش مستقر نفسيًا”.
وأمي بتطلب من الكل “يدعولي” لأن “النجاح غيرني”.
لكن فجأة…
خالتي نادية ردت:
“كفاية يا سعاد. كلنا شوفنا كنتم بتعاملوا أحمد إزاي وهو صغير. الفرق بس إنه دلوقتي عنده دليل.”
وبعدها خالي عادل كتب:
“لو كنتم خايفين عليه… ليه فضحتوه
الجروب سكت.
أول مرة… ما عرفوش يتحكموا في القصة.
الموضوع بقى ترند:
“أكبر خيبة أمل… كان هو اللي بيصرف عليهم.”
بس الحقيقة؟
ما فرحتش.
حسيت بحزن… مش انتصار.
فرق كبير بين إنك تبعد عن عيلتك…
وإنك تكتشف إن العيلة اللي كنت بتحلم بيها… عمرها ما كانت موجودة.
بعد أسابيع، جالي جواب من أهلي.
بيقولوا إنهم بيحبوني… وإن العيلة أهم من الكبرياء… وإن كله بيغلط.
ما جابوش سيرة التيشيرت.
ولا الإهانة.
ولا الكدب.
قالوا بس:
“نتمنى تعدّي سوء التفاهم ده.”
قفلت الجواب… وحطيته في درج.
ما رديتش.
وقفت كل الفلوس.
لغيت أي دعم ليهم.
بس سيبت حسابات أولاد مريم زي ما هي… لأنهم مالهمش ذنب.
مريم باعت عربيتها.
حسام خسر شغل مهم.
وأهلي ما عرفوش يسددوا البيت زي الأول.
بعد سنة…
قابلت رامي في فرح في القاهرة.
حضني وقال:
— كنت فاكر إنك هتدمرهم.
ابتسمت وقلت:
— لا… أنا بس بطّلت أشيلهم.
في الليلة دي… ضحكت ورقصت وقفلت موبايلي من غير خوف.
أول مرة في حياتي…
ما كنتش مستني حد يوافق عليّا.
النهاية
أوقات بيسألوني:
“ندمت إنك قطعت الورق قدامهم؟”
والإجابة: لأ.
أنا ما كسرتش فلوس…
أنا كسرت الدور اللي كانوا فارضينه عليّا طول عمري:
دور
ولو عيلة محتاجة تذلك عشان تحس إنها متماسكة…
يبقى إنت مش بتسيب عيلتك…
إنت أخيرًا بتنقذ نفسك.
تمت حكايات محمد عبده