البيت ملكي مش ملكي حكايات صافي هاني
ريهام قامت وقفت، ملامح "البراءة" اختفت وظهر الغل: "يعني إيه؟ أنا هولد في الشارع؟ إبراهيم، اتصرف! إنت مش قلت لي إن الدور الثالث ده هيبقى شقتنا لوحدنا؟"
إبراهيم نطق أخيراً بصوت يدوب مسموع: "نيرة.. إحنا عشرة، ميبقاش قلبك حجر، دي حامل."
ضحكت بصوت عالي، ضحكة وجع ممزوجة بقوة:
"عشرة؟ إنت عرفت الكلمة دي ؟ ولا عرفتها وأهلك جايين يطردوني من بيت أمي؟ العيل اللي في بطنها ملوش ذنب فعلاً، بس ذنبه في رقبتك إنت.. شيله ووريني ه تسكنه فين."
وقفت وبصيت للساعة: "قدامكم نص ساعة.. إبراهيم ياخد شنطة هدومه، والست الوالدة وبقية العيلة يتفضلوا يكملوا قعدتهم في بيتهم.. والمدام الجديدة، يا ريت تاخدي بالك من السلم وأنتي نازلة، أصل البيت 'بيتي' وخايفة تقعي فيه وتعمليلي محضر."
حماتي حاولت تردح، حاولت تستعطف، حاولت تقول "حرام عليكي ده ابننا"، بس أنا كنت خلاص قفلت قلبي بالترباس.
خرجوا كلهم.. واحد ورا التاني.. زي الفئران اللي بتهرب من مركب بتغرق. إبراهيم كان آخر واحد، وقف عند الباب وبص لي بصه كان نفسه يصعب عليا فيها، بس أنا رديت عليه بكلمة واحدة:
"اقفل الباب وراك بالراحة.. عشان الشجر اللي برا ده أمي هي اللي زرعاه، مش عايزة دوشة تأذيه."
قفلت الباب.. قعدت على الكنبة.. ولأول مرة من سنين، حسيت إن البيت وسع قوي، وإني أخيرًا قادرة أتنفس هوا نضيف. مكنتش لوحدي، كان معايا "سقفي" اللي أمي حمتني بيه، والدرس اللي اتعلمته بدم قلبي: إن اللي يبني بيته على وجع غيره، مبيلاقيش فيه سترة.
بعد ما قفلت الباب، سمعت صوت خناقهم في الشارع.. ريهام بتصرخ في إبراهيم وتكذبه،
دخلت المطبخ، غسلت الكوباية اللي شربت فيها، ومسحت الرخامة بهدوء. البيت كان ساكت سكوت مريح، سكوت فيه كرامة.
تاني يوم الصبح، أول حاجة عملتها إني غيرت كالون الباب.
وبعدها بيومين، جالي محامي إبراهيم.. داخل بمنتهى الثقة بيقولي: "يا مدام نيرة، إحنا عايزين نخلص الموضوع ودي، إبراهيم مستعد يتنازل عن مؤخر الصداق مقابل إنك تسيبيله دور واحد يسكن فيه هو ومراته، مراعاة لظروف العيل."
بصيت للمحامي وطلعت له "عقد البيع" و"مخالصة الديون" وكمان "شهادة من البنك" بتثبت إن كل قرش اتدفع في توضيب البيت ده كان من حسابي الشخصي ومن ورث أمي. وقلت له بكلمتين:
"المؤخر ده حقي الشرعي، والبيت ده حقي القانوني.. لو شفته هو أو حد من أهله عتب عتبة البيت ده، هعمل محضر عدم تعرض، ولو عايز يطلق.. يطلق، أنا أصلاً مش عايزة ذمته."
الموضوع مخلصش هنا..
إبراهيم حاول يبعت لي ناس، جيرانه، قرايبه، وحتى إمام الجامع بتاعنا. قعدت مع الشيخ وحكيت له اللي حصل، وحكيت له إنهم كانوا جايين يطردوني من بيت أمي وهي "ع الريق" عشان خاطر نزوة.
الشيخ بص للأرض وقال: "يا بنتي، البيوت قُرمة، واللي يظلم ست في سكنها ويحاول يرميها في الشارع وهي مصونة، ملوش حق يطالب بالود.. ربنا يبارك لك في دارك."
بعد شهرين، عرفت إن إبراهيم أخد ريهام وقعدوا في شقة إيجار قانون جديد، أوضة وصالة في منطقة شعبية. ريهام اللي كانت جاية تتفشخر بالبيت، لقت نفسها بتغسل الهدوم على إيدها وبتاخد مصروفها بالعافية، لأن إبراهيم
أما أنا..
ففتحت الدور التالت اللي كانوا عينهم فيه، وعملته "مشغل" صغير للسيدات المطلقات والأرامل في منطقتنا، عشان يشتغلوا وياكلوا لقمة عيش بالحلال.
سميته "بيت ماما تمارا".
وفي يوم، كنت واقفة في البلكونة بسقي شجرة الجوافة اللي عند البوابة، شفت إبراهيم واقف بعيد، وشه باهت وهدومه مش كويسة، بيبص للبيت بحسرة.
بصيت له وابتسمت نفس الابتسامة.. بس المرة دي مكنتش ابتسامة نصر، كانت ابتسامة "شفق".
دخلت وقفلت الشباك ورايا، وشغلت راديو على إذاعة القرآن الكريم، وقعدت أشرب الشاي في كوباية أمي.. وأنا عارفة إن مفيش مخلوق في الدنيا يقدر يقولي "قومي من مكانك".
الست مش محتاجة راجل عشان يسترها، الست محتاجة عقل يوزن الأمور، وأصل ميتكسرش، وسقف ملوش فضل فيه غير ربنا وأهلها.
عدى سنة كاملة..
في السنة دي، البيت بقى له روح تانية خالص. "مشغل ماما تمارا" كبر، وصوت مكن الخياطة وضحك الستات وهما بيشتغلوا ملى الفراغ اللي سابه إبراهيم وأهله. بقيت أحس إن كل غرزة خيط في المشغل ده بتخيط جرح قديم في قلبي.
في يوم، الجرس ضرب..
فتحت الكاميرا اللي ركبتها عند البوابة، لقيتها "الحاجة سناء"، حماتي السابقة. كانت واقفة وشها دبلان، ولابسة طرحة باهتة، وشايلة في إيدها شنطة بلاستيك فيها شوية فاكهة.
فتحت لها الباب الصغير، ووقفت عند العتبة.
"عايزة حاجة يا حاجة سناء؟"
بصت لي بكسرة عين مكنتش أعرف إنها موجودة في قاموسها، وقالت: "يا بنتي.. الدنيا ضاقت بينا قوي. إبراهيم اتطرد من الشقة الإيجار، وريهام سابت له العيل وخلعت لما لقت
سكتت شوية وهي بتمسح عينيها بطرف طرحتها: "أنا عارفة إني ظلمتك، وعارفة إننا جينا عليكي في بيتك.. بس إنتي قلبك أبيض، وإبراهيم لسه فاكرلك الخير، والبيت ده واسع.. دور واحد بس يا نيرة نلم فيه شملنا ونربي اليتيم ده."
بصيت لها بهدوء، مكنتش شمتانة، كنت بس مستغربة إزاي لسه عندها عين تطلب.
قلت لها: "يا حاجة سناء، البيت واسع فعلاً، بس مش ليا وليكم.. البيت ده بقى ملك للستات اللي اتظلموا زيي، الستات اللي ملهمش سكن ولا سند. أما إبراهيم، فربنا يرزقه بس من غير ما يجي على حق حد تاني."
طلعت من جيبي مبلغ بسيط، حطيته في إيدها وقلت لها: "ده لله، عشان خاطر العيل اللي ملوش ذنب. بس البيت ده سقف نيرة بس.. والكلمة اللي قالتها أمي زمان بتتحقق كل يوم: مفيش مخلوق هيطردني من هنا."
حاولت تتكلم، بس أنا قفلت الباب بهدوء.
رجعت قعدت وسط الستات في المشغل، واحدة منهم كانت بتخيط فستان فرح لبنت يتيمة، والتانية بتعمل مفارش زي اللي كانت أمي بتحبها.
بصيت لصورة أمي اللي علقتها في صدر الصالة، وحسيت إنها بتبتسم لي.
النهاردة، أنا مش بس صاحبة بيت، أنا صاحبة "حياة".
إبراهيم بقى مجرد سطر قديم في كتاب اتقفل واترمى في الروبابيكيا، وريهام بقت درس لكل واحدة تفتكر إن خطف الرجالة والبيوت بيعمل سعادة.
أما أنا، فكل ليلة قبل ما أنام، بحط راسي على المخدة وأنا مطمنة، مفيش حد يقدر يصحيني ويقولي "اطلعي برا". لأني عرفت أحمي "سقفي" في الوقت اللي الكل كان عايز يهد السقف فوق دماغي.
وخلصت الحكاية.