يوم فرحي حكايات صافي هاني
أبويا لف ليا، خدني في حضنه وطبطب على كتفي وقال لي: "ولا يهمك يا بنتي، بيتك مفتوح لك، وراسك تفضل مرفوعة للسما.. طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق يقدر يكسر لك عين."
خرجنا من القاعة، مش مكسورين، بالعكس.. كنا خارجين وإحنا حاسين إننا كسبنا كرامتنا، وإن ربنا نجاني من جحيم كان هيقفل عليا بابه، والبلد كلها فضلت تحكي عن "رفعت" اللي ضحى بكل حاجة عشان خاطر دموع بنته.
عدت الأيام، والبلد كلها مكنش وراها سيرة غير اللي حصل في القاعة. رامي وأهله حاولوا يبعتوا وسائط وكبارات من البلد عشان "يصلحوا الغلطة" ويلموا الموضوع، لكن أبويا كان زي السد المنيع، رده كان واحد لكل اللي يجي: "الباب اللي يجي منه الريح سدوا واستريح، وإحنا بابنا اتقفل بالضبة والمفتاح."
في يوم، كنت قاعدة مع أبويا في البلكونة بنشرب الشاي وقت الغروب، لقيته بيبص لي بحنان وقالي: "عارفة يا إيمي، في ناس بتبني قصور من بره، بس أساسها من طين وهش. أنا لما شفت الكدمة اللي في وشك، شفت فيها مستقبلك
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. قولتله: "أنا كنت خايفة من كلام الناس يا بابا، وخايفة على شكلك قدامهم."
ضحك أبويا ضحكة صافية وقالي: "الناس بتاكل وتشرب وتنسى، لكن الضنا مبيتنساش. أنا اسمي 'رفعت' وعشت طول عمري رافع راسي، ومش اللي زيه هو اللي هيوطيها. بنتي جوهرة، واللي ميعرفش قيمتها ملوش مكان في حياتنا."
وفعلاً، سبحان الله، الحق ظهر. بعد شهرين بس، اتعرف إن رامي كان داخل في حوارات مش تمام وتجارة مشبوهة، والشرطة قبضت عليه وعلى أبوه، وكل العز والمظاهر الكدابة اللي كانوا عايشين فيها طلعت "فاشوش".
يومها أبويا دخل عليا البيت وهو شايل صينية بسبوسة، وقالي وهو بيضحك: "شوفتي يا بنتي؟ ربنا بيحبك ونور بصيرتنا في الوقت الصح. اللي يتقي الله في بناته، ربنا بيوقفله ولاد الحلال ويحميه من ولاد الحرام."
من يومها اتعلمت
مرت سنة على اليوم ده، وسبحان مغير الأحوال. القاعة اللي كان المفروض يتقفل عليا فيها باب الظلم، بقت هي هي البداية الجديدة لحياتي.
أبويا مسبنيش للحزن ولا لكسرة النفس، كان كل يوم بيشجعني أرجع أكمل دراستي وأركز في شغلي. وقالي جملة عمري ما هنساها: "يا بنتي، القوي مش اللي بيمد إيده، القوي هو اللي بيبني نفسه من جديد بعد ما الكل يفتكر إنه اتهد."
وفي يوم وأنا في شغلي، قابلت "ياسين". كان مهندس شاب، هادي، وعينيه فيها لمعة احترام غريبة. لما جه يتقدم، مكلمش عن فلوسه ولا عن عيلته، أول كلمة قالها لأبويا كانت: "يا حاج رفعت، أنا مش جاي أشتري عروسة، أنا جاي أطلب النسب من راجل عرف يربي بنته على العزة، وطمعان إني أكون السند اللي يكمل مشوارك في حمايتها."
أبويا بص له طويل، وكأنه بيكشف معدنه
يوم كتب كتابي من ياسين، كان المأذون قاعد في نفس البيت اللي رامي حاول يدخله زمان. ياسين مسك إيد أبويا قبل ما يمسك إيدي، وباسها قدام الكل وقال له: "أمانتك في حفظ الله ثم في قلبي."
بصيت لأبويا، لقيته بيمسح دموع الفرحة، وأنا جوايا كنت بحمد ربنا ألف مرة. حمدته مش بس عشان رزقني بالزوج الصالح، لكن عشان رزقني بأب كان هو "البطل" الحقيقي في قصتي. الأب اللي معلمنيش إني أقبل الإهانة عشان "الستر"، لكن علمني إن الستر الحقيقي هو إنك تعيشي بكرامتك، وإن البيت اللي يتبني على طاعة الله واحترام النفس، هو ده البيت اللي عمره ما يتهد.
النهاردة، وأنا شايلة ابني "رفعت" على إيدي، ببص لأبويا وهو بيلعب معاه، وبعرف إن كل وجع عشته كان تمن رخيص مقابل الدرس اللي اتعلمته: إن الحق دايماً بينتصر، وإن اللي بيسيب حاج لله عشان كرامته، ربنا بيعوضه بأحسن