الام الغنيه حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


​بعد دقيقة بالظبط، المدير دخل وهو بيجري ونهجان، وأول ما شافني وشه اصفرّ ووقف بانحناء وهو بيقول: "أهلاً يا صافي هانم! نورتي المدرسة، تحت أمرك في أي حاجة."
​المدرسة اتصدمت، لسانها اتعقد وبقت تبص للمدير وتبصلي بذهول، وقالت بصوت واطي ومبحوح: "صافي هانم؟ مين صافي هانم؟"
​المدير بصلها بغضب وقالها: "دي الأستاذة صافي، صاحبة المدرسة دي وكل المدارس اللي بنشتغل فيها، وصاحبة الأرض اللي أنتي واقفة عليها دلوقتي!"
​المدرسة رجليها مكنتش شايلاها، وحاولت تقرب مني وهي بتعتذر وتتمسح فيا: "أنا مكنتش أعرف يا هانم.. أنا كنت بس بحافظ على نظام الفصل.. سامحيني يا فندم والله ما كنت أقصد!"
​بصيت لها وقلت لها بمنتهى الهدوء: "أنتي مش مطرودة عشان رميتي أكلي، أنتي مطرودة عشان معندكيش رحمة بطفلة، وعشان شوفتي نفسك على ناس غلابة لمجرد إن معاهم فلوس

أقل منك.. اللي زيك ميتؤمنش على تربية أجيال."
​أخدت مكة في إيدي، وطلبت من المدير يلم حاجتها فوراً، وقلتله: "المدرسة دي هتتقفل للصيانة أسبوع، وكل المدرسين هياخدوا دورة في التعامل الإنساني قبل التعليمي، والست دي متعتبش باب أي مدرسة تانية تخصني."
​خرجت من الفصل ومكة ماسكة في إيدي، وبتقولي: "ماما، هي ميس نيهال كانت زعلانة ليه؟"
ابتسمت لها وقلت لها: "مفيش يا حبيبتي، هي بس رايحة مدرسة تانية تتعلم فيها إزاي تكون إنسانة."
ركبت مكة العربية وهي لسه بتمسح دموعها، وبصتلي وسألتني ببراءة: "ماما، هو أنا فعلاً ريحتي وحشة؟"
​الكلمة دي قطعت قلبي حرفياً. وقفت العربية على جنب وأخدتها في حضني وقلت لها: "يا روح ماما، أنتي ريحتك أجمل حاجة في الدنيا، ريحتك ريحة الخير والبيت والنضافة. المدرسة دي هي اللي قلبها كان وحش ومش شايفة الجمال اللي فيكي.
"
​رجعت البيت وقررت إن اللي حصل ده مش هيعدي كدة. اتصلت بالمكتب بتاعي وطلبت جرد كامل لكل طاقم المدرسين في المدرسة دي بالذات. اكتشفت إن في مدرسين كتير بيتعاملوا بمنطق الطبقية والفلوس، وناسيين إن رسالتهم هي التربية قبل التعليم.
​تاني يوم الصبح، مكة كانت خايفة تروح المدرسة، بس أنا طمنتها وقلت لها: "متقلقيش، النهاردة كل حاجة هتتغير."
​لبست بدلة رسمية شيك جداً، ورحت المدرسة بصفتي "صافي هانم" المالكة. أول ما دخلت، كان المدير والمشرفين واقفين صفين في استقبالي وهم مرعوبين. طلبت اجتماع عاجل لكل المدرسين في القاعة الكبيرة.
​وقفت قدامهم كلهم، والمدرسة "نيهال" كانت قاعدة في آخر صف، وشها في الأرض وبتموت من الكسوف والخوف. قلت لهم بصوت واثق وهادي:
​"المكان ده متبنيش عشان نطلع أطفال معاهم شهادات وبس، المكان ده متبني عشان نربي بني آدمين.
أي مدرس هنا هيفرق بين طفل غني وطفل بسيط، أو يحكم على حد بلبسه أو أكله، ملوش مكان وسطنا. الفلوس بتروح وتيجي، بس الأخلاق هي اللي بتعيش."
​أعلنت قدام الكل إن المدرسة هتعمل "يوم الأكل البيتي" كل أسبوع، وكل الطلاب والمدرسين، وأنا أولهم، هناكل من نفس الأكل اللي بنطبخه في بيوتنا، عشان مفيش طفل يحس أبداً إنه أقل من غيره.
​بصيت لـ "نيهال" وقلت لها: "تقدري تمشي دلوقتي يا ميس نيهال، وأتمنى الدرس ده يفضل معاكي العمر كله."
​طلعت من القاعة ورحت لمكة في فصلها الجديد، لقيتها قاعدة بتضحك مع أصحابها وبياكلوا مع بعض. لمحتني من بعيد، شاورتلي بضحكة نورت وشها وقالت بصوت عالي: "يا ولاد، دي ماما.. أحلى أم في الدنيا!"
​في اللحظة دي عرفت إن القوة مش في الفلوس ولا في امتلاك المدارس، القوة الحقيقية هي إنك تحمي براءة طفل وتزرع فيه الثقة مهما كانت
الظروف.
​تمت

 

تم نسخ الرابط