رواية كاملة

لمحة نيوز


في بيتي الجديد اللي نقلت فيه قبل الولادة بشهر عشان ميعرفش طريقي. المكان كان هادي، والشمس داخلة من الشباك مدفية الأوضة. نور كانت نايمة في سريرها، وأنا كنت ببدأ استوعب إن الكابوس انتهى بجد.
الباب خبط، قلبي دق بخوف لحظة، بس لما بصيت من العين السحرية لقيت آدم المحامي واقف ومعاه شنطة ألعاب صغيرة وشنطة تانية فيها أكل.
فتحت له وأنا مبتسمة آدم؟ تعبت نفسك ليه؟
دخل وهو بيحاول يوطي صوته عشان البيبي تعب إيه بس؟ أنا قولت زمانك زهقتي من أكل المستشفيات وقلت أجيبلك غدا بيتي بجد.. وبعدين لازم أسلم على الآنسة نور.
قعدنا نتكلم، وحكالي إن دانيال حاول يكلمه كذا مرة عشان يوصل لي أو يعرف مكان المستشفى اللي سجلت فيها البنت، بس آدم رده بمنتهى الحزم وقاله إن أي تواصل لازم يكون عن طريق المحكمة وبس.
آدم بص لي وقال بهدوء إيميلي، دانيال مش هيسكت، هو دلوقتي حاسس إن كرامته اتهانت قدام الكل، خصوصاً بعد ما الفرح باظ وفانيسا سابته وفضحته إنه لسه بيفكر في طليقته.
قلت له بثقة خليه يعمل اللي يعمله، أنا معايا ورق يثبت إنه صفر الحسابات وسابني وأنا حامل، ومعايا شهود على كل إهانة.. والأهم من ده كله، أنا مبقتش بخاف منه.
وفعلاً، بعد شهرين جالي إنذار من المحكمة.. دانيال رافع قضية إثبات نسب وعايز يضم البنت لحضانته!
ضحكت بمرارة وأنا بقرأ الورق.. البني آدم اللي قال إني بتمثل

الحمل، دلوقتي عايز ياخد البنت.
روحت المحكمة، ووقفت قدامه لأول مرة من يوم المستشفى. كان شكله مبهدل، وفقد الثقة اللي كانت بتملاه. أول ما شافني حاول يقرب إيميلي، اسمعيني، أنا غلطت.. أنا عايز أصلح كل حاجة، خلينا نرجع ونربي بنتنا سوا.
بصيت له بمنتهى القوة وقلت تصلح إيه؟ تصلح كدبك؟ ولا سرقتك لفلوسي؟ ولا إنك شككت في شرفي؟ دانيال، إنت مش عايز البنت، إنت بس عايز تكسرني تاني.. بس المرة دي إنت بتحارب صخرة.
القاضي سمع كل حاجة، وآدم قدم كل الأدلة اللي تثبت إنه تخلى عني وأنا في أصعب ظروفي. وفي نهاية الجلسة، القاضي حكم بإن الحضانة كاملة ليا، مع حق الرؤية في مكان عام وبشروط صارمة، وإلزامه بكل المصاريف اللي سرقها زمان.
خرجت من القاعة وأنا حاسة إني طايرة. دانيال كان واقف بعيد بيبص لي بكسرة، أما فانيسا فمبقتش موجودة في الصورة أصلاً.
آدم قرب مني وقال مبروك يا إيميلي.. المرة دي بجد، حياتك بدأت.
بصيت للسما واتنفست نَفَس طويل.. المطر بدأ ينزل خفيف زي يوم ولادة نور، بس المرة دي مكنتش خايفة، كنت عارفة إن كل نقطة مطر بتمسح وجع قديم، وبتبني طريق جديد كله نور.
عدى سنتين على اليوم ده.
بقيت واقفة في جنينة بيتي الصغير، بقرأ كتاب وبراقب نور وهي بتجري ورا الفراشات بضحكتها اللي بتملا الدنيا عليا. نور كبرت وبقت نسخة مني، بس فيها قوة وشقاوة مكنتش عندي زمان.
تليفوني
نور برسالة، كانت من آدم. بقى صديقي المقرب، والشخص اللي نور بتعتبره مثلها الأعلى. الرسالة كان فيها صورة لفرع شركتي الجديد اللي افتتحته الشهر اللي فات. أيوه، الفلوس اللي دانيال سرقها، المحكمة رجعتها لي بالمليم، واستثمرتها في مشروع أحلامي اللي كان دايماً بيحبطني فيه ويقولي إنتي آخرك ست بيت.
دانيال؟ لسه بيحاول يبعت رسايل اعتذار وتوسل كل كام شهر. عرفت إنه خسر شغله وسمعته في السوق، وفانيسا رفعت عليه قضية هي كمان لما لقت المركب بتغرق. بقى وحيد، بيدور على أي خيط يوصله ليا أو لنور، بس أنا قفلت كل الأبواب. مش حقد، بس لأن نور تستحق تعيش في بيئة نضيفة، بعيد عن سمومه.
في يوم، كنت في النادي مع نور، وشفت دانيال من بعيد. كان واقف بيبص عليها بلهفة ودموعه في عينيه، بس مقدرش يقرب خطوة واحدة لأن آدم كان واقف جنبي، وحط إيده على كتفي كأنه بيطمني.
دانيال لف وشه ومشي وهو مطأطأ راسه، وفي اللحظة دي اتأكدت إن أعظم انتقام مش إنك ترد الإساءة، أعظم انتقام هو إنك تنجح، وتعيش سعيد، وتخلي اللي خذلك يحس إنه بقى مجرد نكتة قديمة في كتاب حياتك الجديد.
نور جت جريت عليا وحضنت رجلي ماما، أنا بحبك أوي.
شيلتها وبستها وقلت لها وأنا بحبك يا روح قلب ماما.. إنتي اللي نورتي دنيتي.
الحكاية مخلصتش بوجع، الحكاية خلصت ببداية حقيقية. البنت اللي دخلت المستشفى وهي مكسورة وخايفة، خرجت
منها وهي معاها نور اللي نورت لها طريق الحرية.
بصيت لآدم وهو بيلعب مع نور، وفي اللحظة دي سألني السؤال اللي كنت خايفة منه بس بتمناه إيميلي، تفتكري الوقت مناسب دلوقتي؟
ضحكت وقلت له إنت سألتني السؤال ده من سنتين في المستشفى، وكان ردي لأ.. بس النهاردة، الوقت مش بس مناسب، ده الوقت المثالي.
بعد شهر، عملنا حفلة صغيرة في الجنينة، مكنش فرح أسطوري زي اللي دانيال كان بيخطط له عشان يغيظني بيه، كان احتفال بجد بالحب والأمان. آدم مكنش مجرد زوج، كان السند اللي عوضني عن كل كسر شوفته.
وفي يوم وأنا برتب ورق قديم، لقيت صورة ليا مع دانيال من سنين.. كنت طالعة فيها باهتة وخايفة، قطعتها حتت صغيرة ورميتها في الهوا مع الهوا اللي كان بيخبط في الشباك.
نور دخلت عليا وهي ماسكة ورقة وقلم وبتقولي ماما، بصي رسمت إيه!
رسمت تلات أشخاص ماسكين إيد بعض، وكتبت فوقيهم بخطها المهزوز عيلتي.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرحة. بصيت لنفسي في المراية، وشوفت ست تانية خالص، ست قوية، ناجحة، ومحبوبة.
الحكاية بدأت بمكالمة مستفزة في أوضة مستشفى، وخلصت بضحكة صافية في بيت كله دفا. دانيال مكنش غير درس قاسي عشان أعرف قيمة نفسي، ونور مكنتش مجرد طفلة، كانت النجدة اللي بعتها ربنا عشان تخرجني من الضلمة للنور.
وقفت في البلكونة وبصيت للسما، وقلت في سري شكراً يا دانيال.. لولا غدرك، مكنتش
عرفت أبداً أنا قد إيه قوية.
تمت.

 

تم نسخ الرابط