اهل خطيبي الحقودين حكايات صافي هاني
بصيت للضباط وقولت: "اتفضلوا يا فندم، كملوا إجراءاتكم."
لفيت ضهري ليهم ومشيت بخطوات ثابتة ناحية اللنش الخاص بتاعي، وفي لحظة سمعت صوت والدته وهي بتعيط وتدعي على الحظ اللي وصلها لكده. ركبت اللنش، والموتور اشتغل وسحبني بعيد عن اليخت وعن حياتهم كلها.
وأنا ماشية في عرض البحر، شفت اليخت بيصغر وبيبقى مجرد نقطة في الأفق. في اللحظة دي بس، أخدت نفس عميق وحسيت بجد بوزن الحمل اللي انزاح من على قلبي. مكنتش فرحانة بالفلوس ولا بالبنك، كنت فرحانة إني عرفت مقامي الحقيقي عند نفسي قبل ما هما يحاولوا يحددوه لي.
طلبت من السواق يروح ناحية الكورنيش، كنت محتاجة أشرب كوباية قهوة من العربية الصغيرة اللي كنت بشتغل عليها.. بس المرة دي، هشربها وأنا عارفة إن مفيش قوة في الدنيا تقدر تكسرني تاني.وصلت عند عربية القهوة الصغيرة اللي بدأت فيها حلمي، العربية اللي كانت شاهدة على كل ليلة سهرتها وتعبتها عشان أبني مستقبلي. نزلت من اللنش ولقيت "عم إبراهيم" واقف مكانه، أول ما شافني ابتسم بوشه البشوش اللي كله شقى.
"منورة يا ست البنات! القهوة المظبوطة جاهزة من غير ما تقولي."
أخدت منه الكوباية الورق، ريحتها كانت
وأنا واقفة بشرب قهوتي، شفت عربيات النقل وهي رايحة تستلم فيلا أهل ياسين بناءً على قرار البنك. الخبر بدأ يسمع في كل حتة، والناس اللي كانوا بيطبلوا لهم بدأوا يختفوا واحد ورا التاني.
قعدت على الكرسي الخشب البسيط وطلعت مذكراتي، وكتبت فيها جملة واحدة:
"الحق مش بس بيرجع، الحق بيعرف يختار الوقت المناسب عشان يكسر عين الظالم."
فتحت اللابتوب بتاعي وبدأت أراجع أول قرار ليا بصفتي رئيسة مجلس إدارة البنك: "إسقاط فوائد القروض عن صغار الكسبة والمشاريع المتناهية الصغر." كنت عاوزة البنك ده يكون سند للناس اللي زيي، مش سيف على رقابهم زي ما كان.
بصيت للسما وقلت: "الحمد لله."
حسيت إن دي البداية الحقيقية لمريم، البنت اللي القهوة علمتها الصبر، والظلم علمها القوة، والفلوس مغيرتش فيها غير إنها خلتها تقدر تساعد اللي يستحق.
خلصت قهوتي، وشكرت عم إبراهيم، وركبت عربيتي وأنا كلي ثقة إن بكرة أحلى، مش بالرصيد اللي في البنك، لكن بالرضا اللي في قلبي.
بعد
سندت ضهري على الكرسي وابتسمت بهدوء: "خليهم يدخلوا."
دخلوا المكتب، وكان شكلهم متبهدل، الهدوم "البراند" لسه عليهم بس مطفية، والمنظرة اللي كانت مالية وشوشهم اتحولت لرجاء يكسف. أبوه بدأ الكلام وهو بيفرك إيده: "يا مريم يا بنتي، إحنا اترمين في الشارع.. الحجز اتنفذ على كل حاجة، حتى العربيات سحبوها. إحنا جينا نطلب منك السماح، وأنا مستعد أكتب لك شيك بكل المبالغ اللي اتسحبت بس أجلي الحجز شوية."
رديت عليه وأنا بقلب في ورق قدامي: "شيك؟ بفلوس إيه يا حاج؟ حضرتك رصيدك دلوقتي صفر، والفيلا والشركات بقوا ملك البنك لسداد الديون اللي حضرتك هربت منها سنين."
ياسين قرب من مكتبي وعينه فيها دموع مزيفة: "مريم، أنا عارف إني غلطت.. بس أنا لسه بحبك، ومستعد أعمل أي حاجة عشان نرجع. إنتي عارفة إن أمي ضغطت عليا، وأنا مكنتش قادر أقف قدامها."
بصيت له بكل قوة وقولت:
طلعت شيك بمبلغ بسيط، وقطعته نصين قدامهم: "ده كان ممكن يبقى قرض حسن تبدأوا بيه حياتكم من جديد في شقة إيجار، بس للاسف، أنا قررت إني مش هتعامل معاكم تاني، لا كأهل ولا حتى كعملاء في البنك."
ندهت على الأمن وقولت بكل حزم: "وصلوا الجماعة لباب الخروج، وممنوع يدخلوا المبنى ده تاني."
خرجوا وهما بيجروا خيبتهم وراهم، وفي اللحظة دي قفلت ملفهم نهائي. قمت وقفت قدام الشباك، شفت الشمس وهي بتغيب وبتنور بيوت الناس الطيبين في الحارات اللي تحت. عرفت ساعتها إن القوة الحقيقية مش في إنك تملك بنك، القوة هي إنك تقدر تنام وإنت مش ظالم حد، ومن غير ما تسمح لحد إنه يدوس على كرامتك.
رفعت سماعة التليفون وقولت للسكرتيرة: "جهزي لي كشف بأسماء العرائس اليتامى اللي واخدين قروض ميسرة.. هنعفيهم من الأقساط بمناسبة الافتتاح."
دي كانت نهايتهم، وكانت بدايتي أنا.. بداية مريم اللي علمتهم إن "بنت القهوة" تقدر تشتري البنك، بس "ولاد الأكابر"