سِـمّ الحبايب بقلم منــال عــلي
مراتي كانت في الشهر السادس من الحمل، وبقالها تلات أيام رافضة تقوم من السرير. أنا كنت فاكر إنها مخبية حاجة... بس لما رفعت الغطا، اللي شفته خلاني أترعش مكاني. !!!!!!
ما كنش كسل ما كنش دلال. ما كنش خوف من الولادة. دا كان تحذير مكتوب على جلدها ونفسها.
بسمة كانت نايمة على جنبها، وشها باهت، شفايفها متشققة، وإيدها حاضنة بطنها كأن في حد هيخطف الجنين منها في أي لحظة.
قربت منها وقلت بنبرة أنشف وأقسى ملي كنت أقصدها
قومي يا بسمة... أمي بتقول إنك حتى مابتنزليش تاكلي.
غمضت عينيها وقالت بصوت مهدود بقلم منال علي
مش قادرة.
في اللحظة دي، ظهرت أمي، الحاجة كريمة، عند باب الأوضة وهي شايلا صينية عليها شوربة باردة، وعلى وشها نفس ملامح الست الصالحة المظلومة
شفت يا بني؟ من ساعة ما حملت وبقت حاجة لا تُطاق. عاوزة الكل يخدمها ويهش ويرش ليها.
أنا كنت برجع من شغلي هلكان، غرقان في المشاكل، وتليفوني ما بيبطلش رن من أمي وهي بتشتكي بسمة بټعيط على الفاضي والمليان، بسمة رمت الأكل في الژبالة، قفلت على نفسها الأوضة ومش راضية تاخد الفيتامينات بتاعتها.
وللأسف... قعدت أسابيع مصدق. بقلم منال علي
لأن أمي كانت دايماً بتتكلم بهدوء وصبر قديسين،
يا بني خد بالك من مراتك، بس برضه ما تخليهاش تلوّي دراعك وتلعب بيك.
في الظهرية دي، صبري نفد تماماً بقلم منال علي
بسمة، أرجوكي... بكرا عندنا معاد مع الدكتور، وأنتِ حتى مش قادرة تمشي لحد الحمام!
فتحت عينيها... وكان فيهم ړعب يهز الجبال
بلاش المستشفى اللي هي اختارتها... أرجوك ما تودينيش هناك.
أمي طلعت ضحكة قصيرة مخڼوقة بقلم منال علي
يا خبر! وصلنا للدرجة دي؟ بقيت أنا كمان الشريرة اللي بتأذيها؟
بسمة قفشت في الملاية وضغطت عليها جامد
يا مدحت، وديني أي مستشفى تانية... أي حتة تانية!
أمي رقعت الصينية على التربيزة بقوة لدرجة إن المعلقة طارت من مكانها
شفت؟ هو دا اللي هي عاوزاه... تخرب بيتك وتخليك تصرف ألوفات، وتشكك فيا، وعاوزة تفرق بين الأم وابنها!
بصيت لبسمة وسألتها بقلم منال علي
في إيه يا بسمة؟ إيه اللي بيحصل هنا؟
ما ردتش... وطت راسها وبصت للغطا.
في اللحظة دي، قلبي انقبض. دخل الشك في صدري... ما كنتش عارف شك في إيه بالظبط، بس السكوت بتاعها كان فيه إنّ، سكوت مرعب.
قربت من
بسمة، أنا هرفع الغطا دا.
أمي جسمها اتشد ووقفت متصلبة بقلم منال علي
بلاش جنان يا مدحت، البنت حامل ومش عيلة صغيرة عشان تكشفها كدا!
تجاهلت كلام أمي تماماً... مسكت طرف الغطا ورفعته.
النفس اتقطع مني...
رجلين بسمة كانت مليانة كدمات زرقا
قديمة، وعلامات حزّ في الكاحل، وفيه شاش محطوط بغشومية عند وسطها. وتحت المخدة كان فيه مناديل متبهدة بقع، وحبوب متغلفة في ورق ألومنيوم، وكوباية فيها سائل أصفر ريحته مرة وتكتم النفس.
بس كل دا كوم... واللي شفته بعد كدا كوم تاني.
شفت ورقة متطبقة ومكرمشة، مكتوبة بخط إيد مراتي المهزوز بقلم منال علي
لو جرالي حاجة، فتشوا ورا الأكل والعصير اللي كريمة بتقدمهولي الصبح... ابننا بيبطل يتحرك في بطني كل ما بشرب منه.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، والأرض بتهد تحت رجلي. اتلفتّ لأمي وأنا پصرخ
إيه دا؟ إيه اللي أنا شايفه دا؟!
ملامح الحاجة كريمة اتبهتت... الوش الطيب اختفى، وبان وراها وش واحدة محاصرة في جحيمها بقلم منال علي
مراتك اټجننت... دي بتخرف!
بسمة اڼفجرت في العياط ودموعها نازلة زي السيول
كانت بتقفل عليا الأوضة بالمفتاح أول ما بتنزل الشغل... كانت بتقولي لو سقطتي والبطن دي فضيت، مدحت
دمي اتجمد في عروقي.
أمي رجعت خطوة لورا وهي بتبلع ريقها بصعوبة
ما تصدقهاش يا مدحت... دي بتتبلى عليا.
هنا... بسمة رفعت طرف الجلابية براحة، ووريتني بطنها.
ما كنش فيه چروح... كان فيه كلام.
كلام مكتوب بخط معوج، بحبر قلم جاف أسود، كأنها كتبته وهي بتستخبى وفي قمة رعبهابقلم منال علي
ما تخليهاش تلمسه لو اتولد.
إيديا بقت تترعش زي السعفة
إحنا هنقوم حالا نروح المستشفى.
أمي وقفت في نص الباب وسدته بكل جسمها
مفيش حد هيخطو خطوة برا البيت دا.
دي كانت أول مرة في حياتي أبص لأمي وأحس بالخۏف... مش خوف الاحترام والبر... لا، خوف من شخص غريب وقاټل.
طلعت تليفوني بسرعة عشان أطلب الإسعاف، بس لقيتها بتبتسم ابتسامة باردة تخوف بقلم منال علي
الشبكة مقطوعة في الأوضة دي بقالها يومين يا حبيبي... ريح نفسك.
بسمة فاجأتنا، ومدت إيدها تحت المرتبة، وطلعت تليفون قديم وصغير، كان مقفول وملفوف في حتة قماش قطن
في دليل... بس لو أمك خبيته، هتموتنا إحنا الاتنين.
وفي ثانية... بسمة فتحت الجهاز، واشتغل تسجيل صوتي.
صوت أمي ملى الأوضة وسمع في الحيطان، بس النبرة كانت فظيعة... نبرة واحدة تانية خالص
الواد دا مش لازم يشوف النور