كنت قاعده لوحدي

لمحة نيوز


٣ أسابيع، كان يقف ومعه تلك المصورة من المنصورة. كان يبدو عليه الإرهاق، وبدلته لم تكن بتلك الأناقة التي كان يتظاهر بها، حيث علمنا لاحقاً أن مشروعه الجديد قد تعثر في الديون. أول ما وقعت عيناه عليا، اتسعت عيناه بصدمة وذهول؛ لم أكن تلك البنت الشاحبة الباكية التي تركها خلفه؛ كُنتُ أرتدي نور الأمان والكرامة ووجهي يفيض بالثقة.
تحرك تامر نحوي بخطوات مرتبكة، وترك يد صديقته، وقال بنبرة حاول جعلها حنونة
تامر هنا؟! مش ممكن.. أنتي بقيتي شيك وأقوى بكتير من الأول. أنا.. أنا شفت صورك في المجلات الثقافية ومكنتش مصدق. أنا كنت غبي يا هنا لما مشيت وسيبتك.. الغربة والضغط خلوني متلخبط، بس أنا عمري ما نسيتك.
نظرتُ إليه بنظرة شفقة جافة وصافية، لم أشعر بغضب ولا برغبة في الصراخ؛ الصمت الذي علمهولي سليم كان أقوى من أي كلام.
هنا ببرود أهلاً يا تامر. مبروك على مشروعك الجديد.. وبتمنالك تلاقي نفسك دايماً بعيد عني.
حاول تامر يمسك إيدي بلهفة وبجاحة هنا، أرجوكي اسمعيني! أنا مستعد

نرجع ونقرا الفاتحة من تاني الصبح! أنا عرفت قيمتك بجد!
إيدك لو اتمدت على خطيبتي تاني.. هخلي الحراس يرموك بره الفندق ده بالملابس الرسمية بتاعتك يا تامر بيه.
الصوت جاء عميقاً، حاداً، ومزلزلاً من وراء ظهري.
التفتنا جميعاً.. وكان سليم بيه يقف بكامل هيبته وطوله الفارع، يرتدي بدلته الكحلي الفخمة التي ارتداها أول ليلة، وعيناه تطلقان موتاً صافياً جعل تامر يتراجع خطوتين للخلف وهو يرتجف وشاحب الوجه كالكفن.
تامر بتلعثم ورعب سليم بيه؟! الملياردير سليم الجارحي؟ حضرتك.. حضرتك تعرف هنا؟
مشى سليم ووقف بجانبي مباشرة، وحط إيده الكبيرة حول ظهري بحنان وأمان شديد، ونظر ل تامر باحتقار مقرف
سليم أنا مش بس أعرف هنا يا تامر.. أنا الراجل اللي قعدت على الكرسي اللي إنت سيبته فاضي بغبائك وطمعك. هنا بقت شريكة حياتي وخطيبتي الرسمية، والفندق ده كله، والإمبراطورية دي كلها، هتبقى تحت أمرها من بكرة الصبح بنص عقود الزواج اللي بنجهزها.
التفت سليم ل عم فؤاد رئيس الأمن الذي كان يقف خلفه
ب إشارة صامتة
سليم ببرود قاتل فؤاد.. السيد تامر والآنسة اللي معاه يتم إلغاء دعوتهم للحفل فورا، ومشوفش وشهم في أي فرع يحمل اسم مجموعة الجارحي في مصر كلها.. مكانهم الطبيعي هو الشارع اللي جم منه عشان يتعلموا يعني إيه أصول وصون للأمانة.
صراخ تامر وتوسله وهو يُسحب من الحراس أمام كبار المثقفين ورجال الأعمال كان بيدوي في القاعة كلها، بينما كانت صديقته تبكي من الفضيحة والخوف، ليتحول غروره إلى كسرة تاريخية أمام الجميع وعاش ملاحقاً بديونه وفشله للأبد.
بعد مرور عام كامل على تلك الليلة الموعودة في مايو ٢٠٢٦..
قاعة البيانو الكبرى بفندق البارون كانت تتلألأ بأضواء أسطورية لم تشهدها القاهرة من قبل. كان فرحي أنا وسليم.. فرح القرن كما أسمته الصحف والمجلات.
كنتُ أرتدي فستاني الأبيض الطويل المطرز باللؤلؤ الحر، والحلق اللولي بتاع جدتي بيلمع في ودني، وراسي مرفوعة للسما بكل فخر وعزة نفس. وأمي الحاجة سعاد واقفة بتبكي من فرحتها وجبر خاطر بنتها الغالية.
وفجأة.. سكتت الأغاني
الصاخبة، وأنوار القاعة خفتت، وقعد عازف البيانو مكانه.
لمت النوتة الأولى شقت صمت المكان.. كانت معزوفة يا مسافر وحدك تطلع تاني برقة وعذوبة ملوش حدود. سليم مسك إيدي الاتنين، ونزل بيا لمنتصف صالة الرخام البيضاء وبدأنا نرقص بهدوء ورقة لفت قلوب كل الحاضرين.
سليم وهو بيبص في عيني بحب صافي كل سنة وأنتي ملكة قلبي وحياتي يا هنا.. الأغنية دي النهاردة مش عشان تفتكري الغايبين بالوجع.. الأغنية دي عشان أبوكِ الله يرحمه يشوف من الجنة إن بنته الغالية مابقتش مسافرة لوحدها.. وإن ليها جبل وضهر بيحميها وهيصونها طول العمر.
انهمرت الدموع من عيني ودفنت رأسي في صدره الواسع، وحسيت بروح أبويا بتطبطب على كتفي وبتقولي شايفة يا هنا؟ الترجمة الحقيقية للصبر دايماً بتبقى عظيمة ومبهرة.
وعرفت هنا إن الكرسي الفاضي اللي سابه الخاين، ربنا مبيسيبوش فاضي كتير؛ بيسخر لك ملوك الأرض عشان يقعدوا عليه، ويجبروا خاطرك، ويرفعوا مقامك فوق السحاب بالحق والرحمة والنور والكرامة العظيمة التي لا تموت
للأبد.
تمت.

 

تم نسخ الرابط