ابن الشغاله
قعد فيهم على عرش المافيا وسوق السلاح...
قعد على الأرض بالملي قدام الواد الصغير.. ركبه لمست البلاط الساقع، ونزل بجسمه كله لحد ما بقت عينه في عين الواد اللي بيرتعش ده...
جلس مراد السيوفي على بلاط المطبخ الساقع، ببدلته الإيطالية الفاخرة وساعته التي تعادل ثمن بيوت كاملة، ولم يبالِ بالتراب ولا برستيج الدون الذي يرتعد له كبار رجال التهريب في الموانئ. نظر ليوسف، الواد الصغير الذي كان يحمل في عينيه انكسار أمة كاملة، ومد يده الكبيرة ليمسح دمعة فرّت رغماً عن الواد على خده الضامر.
مراد بصوت هادئ ومنخفض كأنه يهمس لروحه اسمك إيه يا بطل؟
يوسف بصوت مرتعش يادوب مسموع يوسف.. عندي ٨ سنين يا عمو.
ومشيت ورا أمك جيت هنا ليه يا يوسف؟ البيت عندك مفيش فيه أكل؟
يوسف طأطأ رأسه للأسفل، وبدأ يفرك أصابعه الصغيرة ببعضها بخجل قطع نياط قلب مراد
يوسف أمي بقالها يومين مابتأكلش.. بتاخد النبطشية بتاعتها هنا وترجع البيت تقولي أنا شبعانة يا جو وأكلت في القصر أحسن أكل، بس أنا شفتها البارحة وهي بتشرب مية بملح عشان تسد جوعها وتخبي عليا.. أنا مكنتش جاي أسرق والله، أنا كنت عايز أخد علبة المكرونة دي وأرجع بيها البيت عشان لما تصحى الصبح تلاقي لقمة تأكلها ومتتعبش في الشغل.
ساد صمت مرعب في غرفة الخزين. مراد شعر بغصة خنقت حنجرته؛ الرجل الذي أدار حروباً طاحنة ولم تدمع عينه لرصاصة، شعر الآن بضعف قاتل أمام طفل لم يطلب من الدنيا سوى بضع لقمات باردة لإنقاذ
وقف مراد بكامل طوله، وأمسك بيد يوسف برفق تعالى معايا يا يوسف.
خرج به من غرفة الخزين إلى المطبخ الواسع المصنوع من الاستيل والرخام. مشى نحو الثلاجة الضخمة، فتحها، وبدأ يخرج منها أطباق اللحم المشوي، الفراخ، الخضار، والفاكهة الطازجة التي كانت تُحضر يومياً لرجاله وضيوفه.
وضع الأكل كله على الطاولة الكبيرة، وسحب ل يوسف كرسياً مريحاً اقعد يا جو.. وكل. كل لحد ما تشبع، ومفيش لقمة باردة هتدخل جوه بطنك من النهارده.
يوسف بص للأكل بنظرة ذهول كأنه شايف حلم، وبدأ يأكل بنهم ودموعه تنزل وسط الأكل، ومراد واقف يراقبه بابتسامة حقيقية ملت وجهه الصارم لأول مرة من سنين.
وفجأة.. رن صوت صرخة ذعر عند باب المطبخ!
يوسف!!
كانت مريم، أم يوسف والشغالة في القصر. كانت ترتدي يونيفورم الشغل البسيط، ووشها كان شاحب كالكفن، وعينيها مليانة برعب حقيقي وهي شايفة ابنها قاعد على ترابيزة زعيم المافيا والراجل واقف جنبه. سقطت من يدها منفضة الغبار ووقعت على ركبها تبكي وتتوسل بانهيار
مريم مراد بيه! أبوس رجلك يا باشا م تلمسش ابني! الواد صغير وميفهمش حاجة.. أنا اللي غلطانة، أنا مكنتش أعرف إنه استخبى في عربية التوريدات وجيه ورايا! اقطع رقبتي أنا.. بس سيب ابني يعيش!
يوسف أول ما شاف
مراد مشى بخطوات بطيئة ونعومة نحو مريم المنهارة على الأرض. انحنى بجسمه، وأمسك بكتفها ورفعها بهدوء لتستقر على رجليها باحترام
مراد بنبرة مليانة صدق وأبوة اقفي على رجلك يا مريم.. بيوت السيوفي مابتتهانش فيها ستات، ومفيش أم بتنزل على ركبها قدامي عشان لقمة عيش. أنا اللي بعتذر لك.. بعتذر لك لاني كنت غايب ومش شايف إن فيه روح بتدمر جوه قصري وإنتي ساكتة وبتصوني أمانة مكاني.
مريم رفعت عينيها المليانة دموع بصدمة وذهول، مكنتش مصدقة إن الراجل اللي بره بيسموه العقرب بيتكلم معاها بالحنية والاحترام ده كله.
أشار مراد ل توفيق، دراعه اليمين، اللي كان واقف عند الباب وعينيه مدمعة هو كمان من المشهد اللي أبكى كل الحراس اللي كانوا واقفين ورا الإزاز
مراد بصوت جهوري وحازم توفيق! من بكرة الصبح.. مريم شغلها في القصر انتهى كخدامة. مريم هانم هتبقى هي المشرفة الرسمية على شؤون القصر الداخلي والمخازن براتب يعادل راتب مدير مكتب القيادة بتاعي. وتجهز لها الشقة الفخمة اللي في المجمع السكني بتاعنا في القناطر، وتتأثث على أعلى مستوى باسمها وباسم ابنها يوسف.
التفت ليوسف وباس رأسه ويوسف من بكرة الصبح هيتسجل في أكبر مدرسة دولية في أكتوبر، ومصاريف تعليمه وتأمينه الطبي بالكامل على حسابي الخاص طول العمر.. الواد ده من النهارده ابن من أبناء عيلة السيوفي، واللي
مرت سنتين على تلك الليلة التاريخية الموعودة في ماي ٢٠٢٦..
قصر مراد السيوفي الشاسع مابقاش المكان البارد اللي بيفوح منه ريحة السلاح والمؤامرات بس. الجنينة الكبيرة بقت مليانة بضحكات يوسف وهو بيجري ويلعب بالكرة وصحته بقت بمبي وأقوى من الأول بمليون مرة، وبقى متفوق في دراسته وبيتكلم لغات بطلاقة.
مريم بقت هي السيدة المحترمة اللي بتدير القصر بكل هيبة ونظام، ولابسة هدوم شيك جداً ووقورة، والكل بيعمل لها ألف حساب احترماً لمكانتها عند الدون.
وفي يوم دافئ وجميل، كان مراد واقف في البلكونة الكبيرة بيشرب القهوة الصباحية بتاعته، ويوسف جرى عليه
يوسف بابتسامة نقية عمو مراد.. أنا طلعت الأول في مسابقة العلوم والمدرسة كرمتني النهارده!
مراد نزل على ركبته وحضنه بقوة وفخر مبروك يا بطل.. إنت دايماً رافع راسي، ورفع راس أمك اللي شافت شقا السنين عشانك.
التفت مراد ونظر لمريم اللي كانت واقفة مبتسمة وبتبص عليهم برضا وعوض كبير من ربنا سبحانه وتعالى، وحس مراد إن علبة المكرونة الباردة اللي لقاها في إيد يوسف من سنتين، كانت هي أكبر صفقة رابحة عملها في حياته كلها.. لأنها كسبته نفسه، ورجعت لقلبه الرحمة والنور، وعلمته إن النفوذ الحقيقي مش في عدد السلاح والرجالة اللي بره، النفوذ هو إنك تكون سند وضهر للضعيف وتجبر خاطر المحتاج في عز العاصفة. وبقي يوسف وأمه فوق السحاب بالحق والكرامة العظيمة اللي مابتتشرش
تمت.