الملياردير عمل نفسه نايم في عز البرد
استنى يا واد!
الولد وقف مكانه بخوف.
قرب منه رفعت لأول مرة من غير كبر ولا قرف، وركع قدامه على الأرض المبلولة.
شاف الجروح في رجليه الصغيرة
وشاف إيده اللي متشققة من البرد
وشاف أثر حرق قديم جنب رقبته.
وساعتها قلبه وقف.
الحرق ده
هو عارفه!
عارفه كويس أوي!
إيده اترعشت وهو بيلمّ ياقة التيشيرت الباهت، ولقي سلسلة رخيصة في رقبة الواد متعلقة فيها نص جنيه فضة قديم متكسر.
رفعت شهق شهقة خنقته.
النص جنيه ده كان عند أخوه الصغير سيد قبل ما يهرب من البيت من ٣٠ سنة!
سيد اللي أبوه طرده زمان عشان اتجوز واحدة فقيرة من وراهم.
سيد اللي رفعت نفسه قال عنه زمان الفقير ده ميت بالنسبة لنا!
رفعت بص للواد بعينين مرعوبتين
اسمك إيه يا ابني؟
الولد بلع ريقه وقال
يوسف.
اسم أبوك؟
الولد وطى راسه وقال بحزن
مات كان اسمه سيد.
الدنيا سكتت.
رفعت حس إن الشارع بيلف بيه.
يعني ده
ابن أخوه!
ابن سيد اللي مات مرمي في الفقر والجوع وهو عايش في قصور!
قعد على الرصيف فجأة كأن رجليه شالوا منه، وقال بصوت متقطع
وأمك فين؟
يوسف بص بعيد وقال
ماتت من البرد السنة اللي فاتت وكانت بتقول لي دايمًا إن ليا عم غني أوي بس بيكرهنا.
الجملة دخلت قلب رفعت زي السكينة.
الواد مكملش كلامه حتى
لأن فجأة عربية سوداء وقفت بعنف جنب الرصيف.
ونزل منها محمود ابن رفعت، وهو سكران وعينه حمرا.
أول ما شاف أبوه قاعد جنب عيل شوارع، ضحك باستهزاء وقال
إيه ده؟ قلبك حن؟ هتورث الشحاتين كمان؟
يوسف اتخض واستخبى
الحركة دي وحدها ولعت النار جوة قلب رفعت.
لأول مرة في حياته حس إن فيه حد محتاجه بجد، مش محتاج فلوسه.
محمود قرب وهو متنرفز أنا بكلمك يا حاج!
بس رفعت وقف ببطء
والهدوء اللي على وشه كان مرعب.
قال له
تعرف ده مين يا محمود؟
محمود رد بقرف واحد حرامي من الشارع.
رفعت ضربه بالقلم.
قلم دوّى في نص الشارع.
محمود بصله بذهول أنت ضربتني؟!
رفعت صرخ لأول مرة من قلبه
ده ابن عمك! ابن عمك اللي سيبناه يموت من الجوع وإحنا بناكل بذهب!
الناس وقفت تتفرج.
ومحمود وشه اتسحب من الصدمة.
رفعت قرب منه وقال بغل
أنت اتمنيت موتي عشان الورث وهو اداني آخر لقمة معاه عشان مفكرني جعان!
وبعدها حصلت الحاجة اللي محدش توقعها
رفعت أخد
وفي الفجر فتح خزنة مكتبه.
طلع كل أوراق الشركة.
وكتب قرار قلب الدنيا كلها
نص ثروته بالكامل باسم يوسف سيد رفعت.
ومحمود؟
اتحرَم من إدارة الشركات كلها، واتحول للتحقيق بعد ما رفعت اكتشف إنه مزور حسابات الشركة من سنين ومغرق نفسه في القمار والمخدرات.
لكن النهاية الحقيقية
مكانتش في الفلوس.
بعد شهور
رفعت كان واقف في مطبخ صغير بيتعلم يعمل سندوتشات فول وطعمية بإيده.
ويوسف قاعد على الترابيزة بيضحك وهو بيقول
بس متحرقش العيش يا جدو!
رفعت ضحك وسط دموعه، وبص لرغيف العيش اللي زمان الواد كان بيتمناه
الرغيف اللي
كان أغنى من كل الناس اللي حواليه.