رواية كاملة
دخل عليه اتصال من رقم غير محفوظ.
كاد يرفضه.
لكنه لمح اسم غادة في ذاكرته فجأة.
فرد فورًا.
جاءه صوتها متوترًا هذه المرة.
آسفة على الإزعاج
اعتدل في جلسته فورًا.
ماذا حدث؟
لا شيء كبير فقط صاحبة العمل في إحدى العيادات طلبت مقابلتي اليوم، لكنهم يريدون موظفة معها سيارة وأنا
توقفت وكأنها ندمت على الاتصال.
قال مباشرة
سأرسل سيارة.
ساد الصمت لثانيتين.
ثم قالت بسرعة
لا، لا أريد أن أزعجك أكثر.
غادة.
سكتت.
هذه ليست إزعاجًا.
خفضت صوتها قليلًا.
أنا فقط لا أريد أن أشعر أنني أصبحت عبئًا على أحد.
أغمض فهد عينيه للحظة.
ثم قال بهدوء لم يعتده حتى على نفسه
أنتِ أول شخص منذ سنوات لا يطلب مني شيئًا فعلًا.
ولأول مرة منذ بدأ كل هذا
لم تجد غادة ردًا جاهزًا تقوله.
في المساء، أرسل فهد السيارة إلى غادة دون أن يخبرها أنه بقي يتابع مسارها طوال الطريق من هاتفه.
وصلت إلى عيادة خاصة في جميرا.
مبنى أنيق.
زجاج لامع.
واستقبال يشبه الفنادق.
نزلت غادة من السيارة وهي تمسك حقيبتها القديمة بقوة.
أما ليان، فكانت ترتدي الفستان الأزرق الذي اشترته أمها قبل يومين، وكأنها تخشى أن يتسخ.
راقب فهد صورة الكاميرا الخارجية للحظة قبل أن يغلق الهاتف.
ثم حاول العودة للعمل.
لكنه لم يستطع.
بعد ساعة تقريبًا، رن هاتفه.
غادة.
رد فورًا.
لكنها لم تتكلم مباشرة.
سمع فقط ضوضاء شارع وأنفاسًا متوترة.
غادة؟
قالت أخيرًا بصوت منخفض
انتهت
وكيف كانت؟
سكتت قليلًا.
ثم قالت
قالوا إنهم سيخبرونني لاحقًا.
عرف فورًا أن الجملة تعني الرفض.
قال بهدوء
ماذا حدث؟
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
المديرة سألتني أين كنت أعيش آخر شهرين ولم أعرف ماذا أقول.
أغمض فهد عينيه.
ثم سأل
أين أنتِ الآن؟
خارج العيادة.
ابقي مكانك.
وصل بعد عشرين دقيقة.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يهتم أن يراه الناس واقفًا على الرصيف ببدلته الرسمية بجانب امرأة تحمل حقيبة مهترئة وطفلة متعبة.
كانت غادة تحاول أن تبدو طبيعية.
لكن فهد لاحظ فورًا أنها كانت تقبض على يد ليان بقوة زائدة.
قال بهدوء
هل أكلتما؟
نعم.
نظر إليها للحظة.
ثم قال
هذه كذبتكِ الثانية معي.
خفضت عينيها مباشرة.
أما ليان فقالت ببراءة
ماما قالت لازم نوفر.
شعر فهد بشيء يضغط صدره مجددًا.
اصطحبهما إلى مطعم هادئ قريب من البحر.
ليس فاخرًا بشكل مبالغ.
لكنه دافئ.
جلست ليان قرب النافذة تراقب الماء بإعجاب واضح.
أما غادة، فبقيت متوترة طوال الوقت.
تنظر للأسعار.
وترتب الملعقة أكثر من مرة.
وكأنها تخاف أن ترتكب خطأ لا يناسب المكان.
قال فجأة
لا أحد هنا ينظر إليكِ.
رفعت عينيها نحوه بتفاجؤ.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
أنا تعودت أن أفعل ذلك بنفسي.
لم يفهم.
فأكملت بهدوء
عندما تخسر كل شيء تبدأ بمراقبة نفسك طوال الوقت قبل أن يراقبك الناس.
بقي صامتًا.
لأن الجملة دخلت داخله بشكل مؤلم.
بعد العشاء، خرجوا يتمشون قرب
ليان كانت تمشي أمامهما وهي الأرنب الصغير.
وفجأة توقفت عند واجهة محل حلويات.
ظلت تنظر فقط.
لم تطلب شيئًا.
حتى أنها لم تلتفت نحوهما.
فقط تنظر.
اقترب فهد منها.
ماذا تريدين؟
هزت رأسها بسرعة.
ولا شيء.
لكن عينيها بقيتا معلقتين بقطعة كيك صغيرة مزينة بالفراولة.
نظر فهد نحو غادة.
فقالت بخجل خاڤت
آخر مرة أكلت حلوى كانت بعيد ميلادها قبل سنة تقريبًا.
الټفت فورًا نحوها.
سنة؟
شعرت غادة أنها قالت شيئًا أكثر مما يجب.
لكن ليان سبقتها بالكلام
كان عندنا بيت وقتها.
ثم ابتسمت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا جميلًا.
وماما عملت لي كيك بنفسها.
تجمدت ملامح غادة لثانية.
وكأن الذكرى آلمتها أكثر مما أسعدتها.
دخل فهد المحل واشترى الكيك دون تعليق.
جلسوا على مقعد قريب من الماء.
وكانت ليان تأكل ببطء شديد.
ببطء شخص ېخاف أن تنتهي اللحظة بسرعة.
راقبها فهد طويلًا.
ثم سأل فجأة
ماذا تريدين أن تصبحي عندما تكبرين؟
رفعت رأسها نحوه وفكرت بجدية طفولية.
ثم قالت
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
شعر فهد أن الهواء توقف داخل صدره.
أما غادة
فأدارت وجهها بسرعة نحو البحر.
لأنها لم تستطع إخفاء دموعها هذه المرة.
في تلك الليلة، عاد فهد إلى منزل والده لأول
مرة منذ أسابيع.
كان عبدالرحمن السالم جالسًا في مكتبه الضخم.
الرجل نفسه.
النظرة الباردة نفسها.
والصوت الذي تعود أن يحكم كل شيء.
سمعت أنك ما زلت منشغلًا بتلك المرأة.
جلس فهد
ثم قال والده ببرود
ستتعلق بك. ثم ستطلب المزيد. ثم تصبح مسؤوليتها مسؤوليتك. هذه هي النهاية دائمًا.
نظر فهد إلى والده طويلًا.
ولأول مرة في حياته، شعر أنه ينظر إلى رجل لا يعرفه.
قال بهدوء
الغريب أنها لم تطلب شيئًا أصلًا.
ضحك عبدالرحمن بسخرية.
لأنك ما زلت في البداية فقط.
لكن فهد تذكر شيئًا صغيرًا جدًا في تلك اللحظة.
غادة وهي تعيد البطاقة السوداء.
غادة وهي تخاف من شراء فستان لابنتها.
غادة وهي تكذب بأنها أكلت حتى لا يشعر بالذنب.
ثم تذكر ليان وهي تقول
أبغى بيت فيه باب ما يخوف.
وقف ببطء.
وقال لأول مرة دون خوف من اعتراض والده
يمكن المشكلة لم تكن في الناس المحتاجين أبدًا.
تغيرت ملامح عبدالرحمن قليلًا.
أما فهد
فخرج قبل أن يسمع الرد.
بعد شهرين، كانت غادة تعمل فعلًا في عيادة صغيرة للاستشارات الطبية.
راتب بسيط.
وساعات طويلة.
لكن الشقة بقيت مرتبة.
ودافئة.
وليان عادت إلى المدرسة.
وفي إحدى الأمسيات، وقف فهد أمام باب شقتهما يحمل حقيبة مدرسية جديدة نسيَت ليان إحضارها من السيارة.
فتحت ليان الباب بسرعة.
ثم ابتسمت فورًا عندما رأته.
أستاذ فهد!
ركضت نحوه دون تفكير ساقه الصغيرة بذراعيها.
تجمد مكانه للحظة.
لأنه لم يكن معتادًا على هذا النوع من العفوية.
ظهرت غادة خلفها.
وكان التعب ما يزال في وجهها
لكن شيئًا آخر عاد أيضًا.
الطمأنينة.
قالت بهدوء
تفضل.
نظر فهد إلى الشقة الصغيرة.
ثم إلى صوت
ثم إلى غادة.
وأدرك أخيرًا شيئًا لم تفهمه كل اجتماعاته وصفقاته وأموال عائلته طوال عمره
بعض الناس لا يحتاجون منقذًا
فقط يحتاجون فرصة يشعرون فيها بالأمان دون خوف.