رواية كاملة
المحتويات
علمتني إن الأرض الطيبة مهما اتداس عليها يطلع منها زرع أقوى.
مرت سنة كاملة.
تعافت غرام.
ليس تمامًا
لكنها أصبحت أقوى.
وفي إحدى الليالي
كانت تجلس توقع رواياتها داخل معرض كتاب ضخم.
اقتربت منها فتاة صغيرة ترتدي حجابًا بسيطًا.
وقالت بخجل
أنا من قرية صغيرة وكل الناس بيقولوا إني مستحيل أنجح بس لما قرأت قصتك حسيت إني أقدر.
نظرت غرام إليها طويلًا.
ثم ابتسمت.
وأعطتها القلم الذي كانت تكتب به.
وقالت
أوعى تسمحي لحد يحدد قيمتك من المكان اللي جيتي منه الناس العظيمة أحيانًا تبدأ من أبسط الأماكن.
بكت الفتاة وهي تضم القلم إلى صدرها كأنها حصلت على شيء أثمن من الذهب.
أما غرام
فظلت تنظر إليها حتى اختفت وسط الزحام.
ثم جلست بصمت للحظات طويلة.
حولها أصوات القرّاء.
الكاميرات.
ضحكات الصحفيين.
طلبات التوقيع.
لكن شيئًا داخلها كان بعيدًا جدًا عن كل هذا.
بعيدًا إلى تلك الطفلة الصغيرة التي خرجت من بين حطام السيارة تبكي وهي تبحث عن أمها.
إلى تلك الليلة التي نامت فيها أول مرة في بيت جدها عصام وهي ترتجف خوفًا من أن يطردها العالم مرة أخرى.
إلى تلك الأيام التي كانت تسمع فيها الناس يهمسون
دي البنت اللي أهلها ماتوا.
دي اللي جدها رماها.
دي اللي اتجوزت عشان العلاج.
تنهدت غرام ببطء.
وأغلقت آخر نسخة من الرواية.
ثم غادرت المعرض وحدها.
أصرت ألا يرافقها أحد.
لا الحراس.
ولا الصحفيون.
ولا حتى فريق دار النشر.
كانت تريد أن تعود إلى المكان الذي بدأت منه الحكاية
القرية.
الطريق الترابي الطويل.
رائحة الأرض بعد المغرب.
وصوت الشجر حين تتحركه الرياح.
وصلت قبل منتصف الليل بقليل.
وكان بيت جدها القديم مضاءً بمصباح أصفر خاڤت كما اعتادت دائمًا.
ما إن فتحت الباب
حتى خرجت رائحة الخبز والسمن البلدي التي كانت جدتها سعاد تصنعها كل ليلة.
وقفت غرام للحظة على العتبة.
وأغمضت عينيها.
شعرت كأن السنوات كلها عادت دفعة واحدة.
خرج صوت جدتها من الداخل
مين؟
ردت غرام بصوت مبحوح
أنا يا
تيتة.
وما إن سمعتها سعاد
حتى أسرعت نحو الباب رغم تعبها وكبر سنها.
وهي تقول
قلبي كان حاسس إنك جاية الليلة.
وضعت غرام رأسها على كتفها كطفلة صغيرة.
ولأول مرة منذ شهور
شعرت بالأمان.
دخلت البيت ببطء.
كل شيء كما هو.
الطاولة الخشبية القديمة.
الستارة المطرزة بيد جدتها.
صورة أبيها المعلقة قرب القرآن.
حتى صوت الساعة القديمة فوق الحائط كان نفسه.
جلست غرام قرب الصورة طويلًا.
مدت يدها ولمست إطارها بحنان.
وقالت بصوت خاڤت
بابا أنا تعبت أوي.
ارتجفت شفتاها.
ثم بدأت تبكي بصمت.
ليس بكاء الانكسار.
بل بكاء الإنسان الذي ظل قويًا طويلًا حتى نسي كيف ينهار.
اقترب الحاج عصام منها وجلس بصعوبة على الكرسي المقابل.
كان المړض قد أخذ الكثير من صحته.
لكن عينيه بقيتا كما هما
مليئتين بالحكمة والدفء.
قال لها
أبوكي لو كان عايش كان رفع راسه بيكي للسما.
ابتسمت غرام وسط دموعها
نفسي كان يشوفني يا جدي.
تنهد الحاج عصام
هو شايفك صدقيني.
ساد الصمت للحظات.
ثم أخرج الحاج عصام مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
وضعه في يدها.
سألته بدهشة
مفتاح إيه ده؟
قال بهدوء
أوضة أبوكي.
اتسعت عينا غرام.
فمنذ ۏفاة والدها
لم يفتح أحد تلك الغرفة.
كانت مغلقة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
نهضت ببطء.
وقلبها يدق پعنف.
تقدمت نحو آخر الممر.
الباب الخشبي القديم ما زال كما هو.
حتى الخدش الصغير قرب المقبض بقي في مكانه.
أدخلت المفتاح بيد مرتجفة.
وفتحت الباب.
اندفعت رائحة الورق القديم والخشب دفعة واحدة.
توقفت أنفاسها.
كانت الغرفة كأن الزمن لم يمر عليها.
كتب مصطفة بعناية.
أوراق مكتوبة بخط أبيها.
آلة كاتبة قديمة.
ومصباح صغير فوق المكتب.
اقتربت غرام ببطء شديد.
كأنها تخاف أن تتحرك الذكريات فجأة.
جلست على كرسي أبيها.
ولمست الأوراق أمامها.
ثم وجدت دفتراً جلدياً قديماً.
فتحته بحذر.
وفي أول صفحة
وجدت اسمها.
إلى غرام
إذا وصل هذا الدفتر إليك يومًا، فاعرفي أنني كنت أخاف عليك أكثر مما أخاف على نفسي.
شهقت غرام.
وشعرت بالدموع ټحرق عينيها.
بدأت تقرأ.
وكان والدها يكتب عن خوفه من شاكر.
عن تزوير الأراضي.
عن تهديدات وصلته.
وعن حلمه بأن تصبح ابنته يومًا امرأة قوية لا تنكسر.
ثم توقفت يد غرام فجأة عند سطر أخير مكتوب بخط مرتجف
لو حدث لي شيء
لا تسمحي لهم أن يقنعوك أنك ضعيفة.
اڼهارت غرام بالبكاء.
ضمت الدفتر إلى صدرها بقوة.
كأنها تحتضن أباها نفسه.
وفي تلك الليلة
لم تنم.
جلست حتى الفجر تقرأ كل أوراقه.
قصصًا لم ينشرها.
رسائل كتبها
ملاحظات صغيرة عنها وهي طفلة.
حتى أول قصة كتبتها بعمر سبع سنوات كان يحتفظ بها داخل درج مكتبه.
ومع طلوع الشمس
خرجت غرام إلى الحقول.
كانت الأرض مبتلة بندى الصباح.
والطيور تحلق فوق الزرع.
وقفت وسط الأرض التي حاولوا سرقتها سنوات طويلة.
ثم خلعت حذاءها.
وسارت حافية فوق التراب.
أغمضت عينيها وشعرت بالهواء يلامس وجهها.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت شيئًا مهمًا.
فهمت أن القوة لم تكن يومًا في الشهرة.
ولا المال.
ولا التصفيق.
القوة الحقيقية
أن ينجو قلب الإنسان رغم كل ما مر به.
مرت الشهور بعدها بهدوء نسبي.
دخل شاكر السچن.
واختفى أغلب الذين كانوا يلتفون حوله.
أما عادل
فخسر كل شيء تقريبًا.
عمله.
سمعته.
وأصدقاءه الذين كانوا يضحكون معه على غرام.
وفي يوم ممطر
وصل إلى بيت القرية.
كان يبدو محطمًا تمامًا.
وقف أمام الباب طويلًا قبل أن يطرقه.
فتحت له غرام.
تأملت وجهه للحظات.
ثم قالت ببرود
خير؟
خفض عادل عينيه وقال
عارف إني ما استحقش حتى تسمعي كلامي بس أنا جيت أعتذر.
لم ترد.
فأكمل بصوت مرتجف
أنا ظلمتك وكسرتك وكنت فاكر إن القوة إن الواحد يذل اللي قدامه لحد ما خسړت كل حاجة.
نظر إليها بضعف
سامحيني.
ساد صمت طويل.
ثم قالت غرام بهدوء
أنا سامحت نفسي لأني سكتّ زمان وده أهم من إني أسامحك.
رفع عينيه
نحوها.
فأكملت
بس بعض الچروح ما ينفعش ترجع زي الأول.
أومأ عادل بصمت.
وكان واضحًا أنه فهم أخيرًا.
استدار وغادر تحت المطر.
أما غرام
فأغلقت الباب بهدوء
لأنها لم تعد تحتاج أن تنتصر على أحد.
كانت قد انتصرت بالفعل يوم نجت بنفسها.
بعد عامين
افتتحت غرام مكتبة كبيرة في القرية باسم والدها مكتبة
حسام المنشاوي.
خصصت جزءًا
متابعة القراءة