الدين حكايات صافي هاني
المحتويات
البنت الصغيرة بصت لزعيم العصابة وقالت بلهجة ثابتة: "أنا جيت عشان آخد الحق اللي ليك عند أمي."
كانت واقفة بره البوابات الحديد الضخمة، حاضنة دبدوب مبلول لصدرها، وفي إيدها حتة ورقة مكرمشة فيها عنوان مش باين ملامحه من كتر المطر. ماكنتش تعرف مين اللي ساكن هنا، كل اللي فاكراه صوت أمها وهي بتوصيها بلهفة وخوف كأنه إنذار أخير:
"لو جرالي حاجة.. روحي البيت ده. الراجل اللي هناك ده مديون لي بحياته."
المطر كان مغرق شوارع القاهرة الهادية، ومخلي كل حاجة سقعة وتتزحلق تحت نور العواميد اللي بيرعش. "ليلى" كان عندها ست سنين، وبان حجمها صغير قوي قدام البوابة العالية. هدومها كانت لازقة على جسمها من المطر، وجزمتها غرقانة مية، وإيدها الصغيرة متبتة في الدبدوب اللي عينه مقطوعة. كانت ماشية بقالها ساعات.
جوه أوضة الأمن، الحارس قرب من الشاشة
"يا باشا.. فيه بنت صغيرة واقفة عند البوابة."
"منصور قناوي" – الراجل اللي بيملك القصر ده، واللي مجرد اسمه بيترمي في القلوب الرعب – ماردش في وقتها. فضل باصص للشاشة بتركيز.
طفلة.
لوحدها.
لا بتعيط.. ولا بتهرب.
مجرد.. مستنية.
قال بهدوء: "افتح البوابة."
الحارس تردد: "يا باشا، ممكن يكون فخ أو—"
منصور بص له بصة واحدة.. كانت كفاية تخليه يسكت خالص.
البوابة اتفتحت بصوت تقيل، ليلى اتخضت في الأول.. وبعدين كملت خطوة لقدام. مش عشان هي شجاعة، لكن عشان مابقاش ليها مكان تاني تروحه في الدنيا دي.
الباب الرئيسي اتفتح قبل ما توصله. منصور كان واقف هناك.. طول بعرض، ملامحه جامدة زي الصخر وماتقدرش تقرا اللي في دماغه.
سألها بصوت هادي.. هادي زيادة عن اللزوم: "انتي إيه اللي جابك هنا؟"
ليلى رفعت راسها وبصت في عينه، والمية بتنزل
"أنا جيت عشان آخد الدين اللي عليك لأمي."
قالت الجملة بالضبط زي ما حفظتها.
منصور مالمش جفن، بس فيه حاجة جواه اتهزت.
"أمك اسمها إيه؟"
ليلى بلعت ريقها وقالت بصوت واطي: "إيمان."
للحظة، الدنيا وقفت. ملامح منصور ماتغيرتش، بس إيده اتشنجت وهو ضاممها جنبه.
من تمان سنين.. فيه ست بقلب ميت أنقذت حياته بعد ما خناقة كبيرة قامت والضرب كان شغال وهو كان هيروح فيها. خبيته وعالجت جرحه ورفضت تاخد منه مليم.
يومها قالت له جملة واحدة: "في يوم من الأيام.. هيكون ليك عندي جميل حقيقي."
سألها بصوت واطي: "وأمك فين دلوقتي؟"
ليلى ضغطت على الدبدوب أكتر وقالت: "مانطقتش تاني.. مش راضية تصحى."
السكوت ساد المكان.. سكوت تقيل ومؤلم.
منصور هز راسه مرة واحدة وقال: "ادخلي جوه."
الهوا الدافي في البيت لف حواليها، بس لسه ماحستش بالأمان.
السؤال ده خلاه يتفاجئ. ماحدش في حياته سأله السؤال ده، ولا حد استنى منه إنه يطمنه. بس الموضوع مابقاش مجرد "دين" قديم.
رد وقال: ".. أيوه."
خدوها جوه، نشفوا لها هدومها وشربوها مية. وفي ثواني، التعب غلبها وراحت في النوم وهي لسه متبتة في الدبدوب القديم كأنه آخر حاجة فاضلة لها من ريحة أمها.
منصور كان واقف عند الباب بيراقبها. لأول مرة من سنين يحس إنه مش مسيطر على الموقف.
بص لرجاله وقال وهو طالع الطرقة: "عايز أعرف كل حاجة. أمها ماتت إزاي؟ ومين اللي ورا الموضوع؟ مش عايز تفصيلة تفوتكم."
رجاله هزوا راسهم واختفوا في ليل القاهرة.
وبعد ساعات.. كل حاجة اتغيرت بطريقة ماحدش كان يتخيلها.
الفجر بدأ يشقشق ونور الشمس الباهت دخل من شباك المكتب، ومنصور قاعد ورا مكتبه، السيجارة في إيده
متابعة القراءة