الدين حكايات صافي هاني
دراعه اليمين، ووشه مايبشرش بخير.
عمار حط ملف قدامه وقال بصوت واطي: "يا باشا، الخبر اللي جالي يقطع القلب.. الست إيمان ما ماتتش موته ربنا."
منصور عينيه لمعت بغضب مكتوم: "انطق يا عمار.. خلص."
"إيمان كانت شغالة ممرضة في مستشفى استثماري، وعرفت بالصدفة إن فيه صفقة أدوية مغشوشة داخلة المخازن، والناس اللي ورا الصفقة دي تقال قوي.. حاولوا يشتروا سكوتها ورفضت، ولما هددتهم ببلغ للنيابة، عملوا لها حادثة عربية "قضاء وقدر" وهي راجعة من الشغل.. البنت الصغيرة شافت كل حاجة، وأمها وهي بتودع، حطت الورقة في إيدها وقالت لها اهربي."
منصور قام وقف، وطول قصر قامته هدد كل اللي في الأوضة من غير ولا كلمة. "مين اللي عمل كدة؟"
عمار بلع ريقه: "عصابة "الغول".. ولاد الحرام فاكرين إن مالهاش ضهر، ومايعرفوش إن ضهرها هو أنت."
في اللحظة دي، الباب اتفتح بالراحة، وليلى كانت واقفة بقميص نوم أبيض واسع عليها، عينيها لسه منفوخة من النوم. مشيت لحد ما وصلت عند منصور، مسكت في طرف الجاكت
منصور نزل لمستواها، لأول مرة في حياته يوطي راسه لحد، مسح على شعرها بإيده اللي كانت لسه من شوية عايزة تكسر الدنيا، وقال بصوت فيه حنية غريبة: "حق أمك هيرجع يا ليلى.. والناس اللي وجعوها، هيدفعوا التمن غالي قوي.. وعد مني."
نادى على الشغالة وقال لها: "خدي ليلى تفطر، وخليكي معاها ما تسيبهاش لحظة."
أول ما الباب اتقفل، منصور التفت لعمار وعينيه بقت زي الجمر: "جمّع لي الرجالة.. مش عايز حد فيهم يلمح الشمس بتاعة بكره. اللي يمد إيده على ولية مالهاش ذنب، مالوش مكان فوق الأرض."
العملية كانت سريعة وصامتة. في قلب الليل، قصر "الغول" اتحاصر، ومنصور كان واقف في النص، مش كزعيم عصابة، لكن كواحد بيخلص دين قديم.. دين حياة قصاد حياة.
لما رجع الصبح، ليلى كانت قاعدة في الجنينة بتلعب بالدبدوب بتاعها. منصور قرب منها، وقعد جنبها على النجيل.
"خلاص يا ليلى.. أمك دلوقتي مرتاحة."
ليلى بصت له ببراعة وسألته: "يعني
منصور ابتسم بمرارة وبص للسما: "لا يا بنتي.. أنا اللي بقيت مديون لك أنتي.. مديون لك بحياة كاملة."
من اليوم ده، ليلى مابقتش البنت اليتيمة اللي بتخبط على الأبواب في المطر، بقت "بنت منصور قناوي"، والشخص الوحيد اللي قدر يكسر الحجر اللي حوالين قلبه ويزرع مكانه رحمة، هو حتة الدبدوب المبلول وكلمتين وصية من أم كانت عارفة هي بتبعت بنتها لمين.
مرت السنين، والقصر اللي كان الناس بتخاف تعدي من قدامه، بقى هو الأمان الوحيد لليلى. منصور قفل كل دفاتر "الشغل القديم"، وبقت كل قوته مسخرة لحاجة واحدة بس: ليلى.
كبرت ليلى وبقت شابة زي القمر، وفي يوم تخرجها من كلية الطب – نفس حلم أمها القديم – كانت واقفة في الصالة الكبيرة لابسة الروب الأسود. منصور كان واقف بعيد، شعره غزا البياض، لكن هيبته زي ما هي.
قربت منه ليلى وحضنته وهي بتعيط: "شكراً يا بابا.. لولاك كان زماني ضعت في المطر بتاع يومها."
منصور طبطب عليها وقال بصوت فيه بحة: "أنا اللي بشكرك يا
في اللحظة دي، دخل "عمار" اللي كبر هو كمان، بس ملامحه كانت قلقانة. بص لمنصور وقال بلهجة مكتومة: "يا باشا.. فيه واحد بره، شاب صغير، واقف عند البوابة الحديد.. ومصمم يقابلك."
منصور استغرب: "عايز إيه؟"
عمار بص لليلى وبعدين بص لمنصور: "بيقول إن والده كان شغال معاك زمان، وإن الدنيا ضاقت بيه، وجاي يطلب 'جميل' والده عمله فيك من عشرين سنة."
منصور ابتسم ابتسامة هادية، وبص لليلى اللي كانت بتبتسم هي كمان بدموع. عرف إن الساقية لفت، وإن الخير اللي بذره يوم ما فتح الباب لطفلة مبلولة، هيفضل يطرح طول العمر.
قال لعمار وهو بيمسك إيد ليلى: "افتح البوابة يا عمار.. البيت ده مابيقفلش بابه في وش حد له حق.. افتح البوابة."
ووقفت ليلى جنب منصور قناوي، مستنيين الضيف الجديد، وهما عارفين إن "الدين" الحقيقي مش فلوس ولا ورق.. الدين هو "الإنسانية" اللي بتفضل عايشة
تمت.