الام تخترق الصمت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

بنتي بقالها أسبوع مابتردش عليا، فركبت عربيتي ورحت لها لحد بيتها. جوزها "علاء" أصر إنها "في رحلة". كنت خلاص هصدقه.. لولا إني سمعت صوت أنين مكتوم جاي من الجراج المقفول. لَفيت من ورا البيت، وحاولت أفتح الباب الجانبي، والصوت اللي كان طالع من الأوضة الضلمة دي مش بس رعبني، ده كسر قلبي كأم بطريقة عمري ما هنسى وجعها.
​الصوت اللي كان طالع من الجراج مكنش صرخة، كان أوحش بكتير.. كان أنين مخنوق ومكسور، من النوع اللي الأم بتحسه بكيانها كله قبل ما تسمعه بودانها.
​سبع أيام كاملة و"أميرة" بنتي مابتردش.
لا رسايل، ولا مكالمات، ولا حتى الصور الهبلة اللي بتبعتها للقهوة بتاعتها، ولا "بحبك يا ماما" اللي كانت بتبعتها نص الليل لما السهر يغلبها.
​سُقت أربع ساعات في المطر لحد البيت الأبيض الصغير اللي عايشة فيه مع جوزها "علاء".
فتح لي الباب وهو مبتسم.
ابتسامة سريعة زيادة عن اللزوم.
​"طنط نادية؟" قالها وهو سادد الباب بدراعه، "إيه المفاجأة دي؟"
​"بنتي فين؟"
​ابتسامته اتهزت: "طلعت رحلة."
​"رحلة إيه؟"
​"حاجة كدة تبع اليوجا والاستجمام.. إنتي عارفة أميرة، بتحب الدراما."
​بصيت له بتركيز.

"علاء" طول عمره بيقول عليها "درامية" لما تعيط، و"حساسة زيادة" لما تعارضه، و"مُشوشة" لما تمسكه وهو بيكدب. كان بيلبس الكاريزما زي البرفان الغالي، بس ريحته سامة.
​قلت له: "هي مابلغتنيش."
​"كانت محتاجة تبعد شوية." نظراته بردت، "تبعد عن الكل."
​من وراه، ظهرت أخته "نيرمين" وهي حافية، ولابسة "الكارديجان" الأزرق بتاع أميرة.
بتاع بنتي!
​نيرمين قالت بلؤم: "يا طنط نادية، ماينفعش تيجي كدة من غير ميعاد، ده شيء مش صحي خالص."
​بصيت للجاكيت، وبعدها بصيت لوشها: "اقلعي اللي إنتِ لابساه ده."
​ضحكت وقالت: "نعم؟ بتقولي إيه؟"
​علاء قرب مني وقال: "إنتي تعبانة يا طنط. روحي بيتك أحسن ما تحرجي نفسك أكتر من كدة."
​هي دي.. النبرة اللي بيستخدمها الرجالة لما يفتكروا إن السن خلى الست مابتردش ولا بتضر.
النبرة دي سمعتها في المحاكم على مدار 31 سنة، من كدابين بياقات بيضا ونضيفة بس إيديهم متوسخة.
​قلت له بوضوح: "أنا عايزة أشوف أميرة."
​نبرته بقت حدة: "مش هينفع.. هي مشيت، وطلبت مني ما أقولش هي فين."
​"وريني الرسالة اللي قالتلك فيها كدة."
​"مسحتها."
​"يا محاسن الصدف!"
​ابتسامته اختفت تماماً:
"اطلعي بره أرضي دلوقتي."
​رجعت لورا ببطء، كأني أم مكسورة ومهزومة وبتقبل بالأمر الواقع. نيرمين رسمت على وشها ابتسامة نصر مستفزة.
​بس وأنا بلف عشان أروح لعربيتي، سمعته.
أنين مكتوم.
جاي من الجراج المقفول.
​إيدي اتسمرت على باب العربية.
ملامح علاء اتغيرت قبل ما يلحق يسيطر على نفسه. الخوف ظهر في عينه لثانية، وبعدها اتحول لغضب.
​قال بسرعة: "دي المواسير قديمة وبطلّع أصوات."
​هزيت راسي بالموافقة.
وركب عربيتي ومشيت.
​عند أول ناصية، ركنت تحت عمود نور مطفي، طفيت كشافات العربية، وفتحت برنامج التسجيل المستخبي على موبايلي.
​لأن "علاء" نسي حاجة واحدة بس.
قبل ما أبقى "الست العجوزة" اللي شكلها غلبان وواقفة على بابه، أنا كنت رئيسة النيابة اللي بتخلي اللي زيه يترعبوا من مجرد السكوت.
نزلت من العربية وبدأت أتحرك في الضلمة زي الخيال، رجعت تاني ناحية البيت من غير ما حد يحس بيا. كنت عارفة إن النوعية دي من الرجالة بيبقى عندها غرور بيعميهم، فاكر إن "نادية" كبرت وخرفت وخلاص مشيت تعيط في بيتها.
​وصلت عند شباك الجراج الصغير، كان متغطي بستارة سودة تقيلة، بس الصوت كان أوضح بكتير.. صوت
أنفاس متقطعة، كأن حد بيحاول يصرخ بس مفيش طاقة.
​طلعت الموبايل وبعت لوكيشن لـ "هشام"، تلميذي القديم اللي دلوقتي بقى لواء في المديرية، وكتبت له كلمة واحدة: "دلوقتي يا هشام.. افتح بلاغ اختطاف."
​فجأة، الباب اللي واصل بين البيت والجراج اتفتح، ونور الجراج نور. لزقت ضهري في الحيطة وكتمت نفسي.
سمعت صوت "علاء" وهو بيزعق بوطي:
"هشربك يعني هشربك! إنتِ فاكرة إن إضرابك عن الأكل ده هيخليكي تطلعي من هنا؟ إنتِ مش هتخرجي غير لما تمضي على التنازل عن نصيبك في الأرض والمصنع.. نيرمين أختي أولى بيهم منك."
​ردت عليه أميرة بصوت شرخان، طالع بالعافية:
"اقتلني يا علاء.. بس مش هتاخد مليم واحد من شقى بابا الله يرحمه.. أنا كنت عارفة إنك طمعان، بس مكنتش فاكرة إنك واطي للدرجة دي."
​سمعت صوت قلم نزل على وشها، قلبي كان هيوقف من القهر، بس كان لازم أتمسك. مسكت الموبايل وسجلت كل كلمة بالصوت والصورة من فتحة صغيرة في الشباك.
​علاء كمل بفحيح زي التعبان:
"محدش هيعرف مكانك، وأمك زمانها دلوقتي بتندب حظها في طريق السفر.. نيرمين هانم هتلبس لبسك وتعيش حياتك، والكل هيفتكر إنك سافرتي وسبتينا."
​في
اللحظة دي، صوت سرينة البوليس قطعت هدوء المكان.

 

تم نسخ الرابط