الام تخترق الصمت حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


علاء وشه جاب ألوان، ونيرمين طلعت تجري في الجنينة وهي بتصرخ: "المصيبة جات لنا يا علاء! البوليس هنا!"
​الباب الخشب بتاع الجراج اتكسر في ثانية، وهشام ورجالته دخلوا زي الإعصار.
وقفت أنا قدام باب الجراج، وشفت "علاء" وهو متكلبش وراسه في الأرض، ونيرمين بتترعش وهي لابسة كارديجان بنتي اللي ريحته كانت كلها وجع.
​جريت على "أميرة"، كانت مربوطة في كرسي في ركن الجراج، وشها شاحب بس عينها لمعت لما شافتني.
فكتها وحضنتها بكل قوتي، وهي بتعيط في حضني: "كنت عارفة إنك هتيجي يا ماما.. كنت عارفة."
​بصيت لعلاء وهو بيترحل للبوكس وقلت له بصوت وكيل النيابة اللي مابيرحمش:
"الفرق بيني وبينك يا علاء، إنك كنت بتخطط بفلوس غيرك، لكن أنا كنت بحمي اللي يخصني.. والمرة دي، القانون مش بس هيحبسك، القانون هيمحيك."بعد ما البوكس مشي وعلاء ونيرمين بقوا في إيد العدالة، الجراج اللي كان ريتحه خوف وضلمة فجأة اتملى بنور الفجر اللي بدأ يشقشق.
​سندت "أميرة" وخرجنا للجنينة، كانت بتترعش بس بدأت تتنفس هوا نضيف لأول مرة من أسبوع. هشام قرب مني وهو بيقفل المحضر في إيده، وبص لي بنظرة

فخر ممزوجة باحترام:
"يا نادية هانم، لولا تسجيل الموبايل وبلاغك السريع، كان زمانهم نفذوا خطتهم.. علاء كان محضر ورق سفر مزور باسمها عشان يثبت إنها هربت بره البلد بعد ما تمضي."
​بصيت لهشام وقلت له بهدوء وثبات:
"علاء مكنش بيخطف ست يا هشام، كان بيحاول يسرق روح.. والنوع ده من المجرمين بيبقى فاكر إن الست مالهاش ضهر، بس نسي إن فيه ستات هما اللي بيعملوا الضهر والقانون."
​دخلت بنتي العربية، وقبل ما أتحرك، بصيت للبيت الأبيض الصغير اللي كان المفروض يبقى عش الزوجية وبقى سجن.. وقلت لنفسي: "البيوت مش حيطان، البيوت أمان.. واللي يهد الأمان ده، ملوش مكان وسط الناس."
​طول الطريق وأميرة نايمة على كتفي، كنت بفكر في الـ 31 سنة اللي قضيتهم في المحاكم.. عمري ما تخيلت إن أصعب قضية هكسبها هتكون قضية إنقاذ بنتي.
​وصلنا البيت، والشمس كانت طلعت خلاص. فتحت لها باب شقتها القديمة، ريحة بخور وحاجات من ريحة أبوها الله يرحمه. أميرة بصت لي وقالت بابتسامة باهتة:
"أنا أسفة يا ماما، كنت فاكرة إني كبرت وبقدر أحكم على الناس صح."
​بست راسها وقلت لها بلهجة مصرية حازمة
وحنينة في نفس الوقت:
"مفيش حد بيكبر على حضن أمه يا بنتي.. والدرس اتعلمناه غالي، بس المهم إننا اتعلمناه وإحنا واقفين على رجلينا. نامي يا أميرة، وبكرة نفتح صفحة جديدة، مفهاش لا علاء ولا نيرمين، فيها بس إحنا.. والحق اللي مابيموتش."
​قفلت النور وسيبتها ترتاح، ووقفت في البلكونة أشرب قهوتي وأنا شايفة علاء ونيرمين وهما بيتحاكموا في خيالي.. المرة دي مش كوكيلة نيابة، المرة دي كأم أخدت حقها تالت ومتلت.
بعد كام شهر، كنا قاعدين في قاعة المحكمة.. بس المرة دي أنا مش واقفة على المنصة، أنا كنت قاعدة في أول صف، وساندة إيد "أميرة" اللي بدأت ملامحها ترد فيها تاني.
​علاء كان واقف ورا القضبان، وشه باهت، وعينه في الأرض.. مابقاش فيه أثر للبرفان الغالي ولا للضحكة اللي كانت بتخدع الناس. ونيرمين جنبه بتعيط بهستيريا، وهي شايفة حلم "الورث والمصنع" بيتحول لسجن وأشغال شاقة.
​القاضي نطق بالحكم.. أقصى عقوبة بتهمة الخطف، والتعذيب البدني، والتزوير.
في اللحظة دي، حسيت إن جبل كان كاتم على نفسي واتزاح.
​خرجنا من باب المحكمة، والصحفيين كانوا ملمومين، واحد منهم قرب
وسألني:
"يا نادية هانم، بصفتك واحدة من رموز القانون، إيه رسالتك بعد ما كنتِ إنتِ الخصم والحكم في القضية دي؟"
​وقفت ولبست نضارتي السودا، وبصيت للكاميرا بمنتهى الثبات وقلت:
"رسالتي لكل واحد فاكر إن الضعف في السن أو في الطيبة.. القانون مابيعرفش (ست عجوزة)، القانون بيعرف (حق).. وأي حد هيفكر يلمس شعرة من ولادنا بدافع الطمع، هيلاقي نفسه بيواجه وحش هو اللي علّم المجرمين يعني إيه خوف."
​ركبنا العربية، وأميرة طلعت الكارديجان الأزرق اللي الشرطة رجعتهولها من "نيرمين".. بصت له شوية، وبعدين فتحت الشباك ورمته في أول سلة زبالة قابلتنا على الطريق.
​بصت لي وضحكت لأول مرة من قلبها:
"مش عايزة أي حاجة تفكرني بالوجع ده يا ماما.. إحنا هنروح نشتري لبس جديد، وحياة جديدة."
​طبطبت على إيدها وقلت لها:
"نروح يا قلب ماما.. والمرة دي، إحنا اللي هنختار الألوان، وإحنا اللي هنكتب السطور الجاية براحتنا."
​سُقت العربية وأنا شايفة في المراية "نادية" القوية اللي مابتهزمش، وبنتها اللي قامت من وسط الركام.. والحكاية اللي بدأت بأنين مكتوم في جراج، انتهت بضحكة صافية
في طريق مفتوح تحت شمس مصر.

 

تم نسخ الرابط