ليلة المستشفي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


وقفت ورا الزجاج بتاع أوضة الطوارئ، بتفرج عليهم وهم بيحاولوا يلموا شتات نفسهم وسط الدكاترة والممرضين. "محمود" كان بيبصلي من بعيد بنظرة استعطاف، وكأنه لسه مصدق إن قلبي ممكن يحن، بس أنا كنت خلاص، شطبت عليه من حياتي بالقلم العريض.
​طلعت بره المستشفى للحظة أشم هواء، لقيت المسعف اللي جابهم واقف بيشرب سجارة، سألني: "يا ست سارة، هي تقربلك فعلاً؟ أصلها كانت عمالة تقول إنك مش هترحميه."
ضحكت بمرارة وقلت له: "أنا بس عملت اللي يرضي ربنا ويرجعلي حقي.. الظلم ظلمات يا متر، وهم افتكروا إن مفيش حد هيحاسبهم."
​رجعت مكتبي، ولقيت "منة" واقفة مع أمين شرطة عند البوابة، عمالة تعيط وتقول: "يا باشا دي تهمة ملفقة، أنا أخته والله!"
أمين الشرطة رد عليها ببرود وهو بيمضي على استلام المحضر: "البطاقة بتقول إنك أخته فعلاً، بس المحضر بيقول إن الذهب اللي في شنطتك مسروق، وإن البلاغ متقدم

من الصبح.. يعني الحكاية مفيش فيها تآمر، فيها سرقة وتلبس."
​دخلت مكتبي، قعدت على الكرسي وبدأت أكتب تقرير الوردية الأخير ليا في المستشفى دي، لأني قررت استقيل وأفتح مشروعي الخاص بفلوسي اللي رجعتها.
​قبل ما أمشي، عديت على أوضة "محمود" لآخر مرة. كان نايم، وشه شاحب، ومتعلق له محاليل. ميلت عليه وقلت له بكلمات واضحة:
"البيت خلاص غيرت كالونه، وعفشك كله هتلاقيه عند أمك في كراسي خيش.. والطلاق هيوصلك ورقتك وإنت في السجن بتهمة التبديد. عيشتك معايا كانت ستر، وإنت اللي كشفت غطاك بيدك."
​خرجت من المستشفى والشمس بتبدأ تشقشق، حسيت بوزن جبل انزاح من على صدري. لا شماتة في المرض، بس في عدل إلهي مبيغفلش، وأنا كنت النهاردة مجرد أداة للعدل ده. ركبت عربيتي، وشغلت إذاعة القرآن الكريم، وسقت في طريقي لحياة جديدة، نضيفة، ومفيش فيها مكان لخاين ولا كداب.
وصلت البيت، وفتحت الباب بالمفتاح
بتاعي لأخر مرة، بس المرة دي وأنا صاحبة المكان فعلياً مش مجرد "ست بيت" مستنية جوزها يرجع من السهر. البيت كان هادي، والسكينة اللي فيه كانت غريبة ومريحة.. كأنه هو كمان كان مستني يخلص من طاقتهم.
​دخلت الأوضة، لميت هدومه كلها في شنط كبيرة، ومعاها كل ذكرى كانت بتربطني بيه. كنت بشتغل بكل هدوء، مفيش دموع، مفيش ندم.. فيه بس راحة ست عرفت تاخد حقها بالقانون وبالأصول.
​على الساعة 10 الصبح، الموبايل مبردش رن. كانت والدته، "حماتي" اللي كانت دايماً شايفة إن بنتها ملاك وابنها "سيد الرجالة". رديت ببرود:
"أيوه يا طنط.. محمود ومنة في مستشفى القصر العيني، قسم الطوارئ.. ومعاهم أمين شرطة مستني الأستاذة منة لما تفوق عشان قضية السرقة.. ومحمود مستنيينه عشان يسحبوا منه رخصته ويحققوا معاه في تبديد أموال القصر.. أصل أنا رفعت عليه قضية حجر على ممتلكاتي اللي كان بيتصرف فيها."
​الصمت
اللي كان على الناحية تانية كان كفيل يخليني أبتسم. قفلت السكة قبل ما تسمعني أي كلمة، وعملت "بلوك" لكل العيلة اللي كانت بتنهش فيا وأنا بضحك في وشهم.
​نزل المحامي بتاعي "الأستاذ إبراهيم" وكلمني:
"يا مدام سارة، مبروك، المحضر اتحول نيابة، والتقرير الطبي اللي حضرتك أشرفتي عليه كان القشة اللي قطمت ظهر البعير.. محمود دلوقتي متهم رسمي بقيادة تحت تأثير المخدر، ومنة قضيتها لابساها لأن الذهب والتوكيلات اللي كانت معاها في الشنطة متسجلين ببياناتهم."
​بصيت لنفسي في المراية، وشفت "سارة" تانية.. قوية، واثقة، ومش مكسورة.
اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، دعيت فيهم إن ربنا يتمم لي على خير ويبعد عني ولاد الحرام.
​النهاردة مش نهاية القصة، النهاردة أول يوم في عمري الجديد. محمود ومنة بقوا مجرد "حالة" في سجلات المستشفى، وأنا بقيت "المديرة" اللي بتدير حياتها بنفسها.. ، وبمنتهى العزة
والكرامة.
​تمت.

تم نسخ الرابط