انتقام الماضي حكايات صافي هاني
"لازم تتعلمي الأدب وتحترمي الكبير".. دي كانت آخر كلمة سمعتها من أمي وهي مكتفاني، والراجل اللي اتجوزته بعد أبويا كان بيسخن سيخ حديد على البوتاجاز. كان عندي 15 سنة وقتها، والسيخ ده ساب علامات في ضهري عمري ما هنسى وجعها، كل ده عشان وقفت في وشهم ومنعتهم يمدوا إيدهم على أختي الصغيرة. النهاردة، لما القاضي شاف الدليل، صورة "العيلة المتدينة المثالية" اللي كانوا راسمينها قدام الناس اتهدت تماماً. دلوقتي جه الدور عليهم عشان يدوقوا طعم الوجع الحقيقي
وقفت في الحمام، سانده إيدي على طرف الحوض، وببص في المراية لوشي اللي مابقتش عارفة ملامحه من كتر التعب.
كشافات النور القوية كانت كاشفة كل حاجة. الكسرة اللي بين حواجبي، العلامة الصغيرة اللي عند منبت شعري، وحتى شكل الهدوم اللي عمرها ما كانت بتظبط عليا بسبب كلكعة الجروح والندبات اللي في ضهري. عدلت طرحتي بوجع، ووقفت مكاني.. مش محتاجة ألمس ضهري عشان أفتكر، الوجع ده محفور في روحي قبل جسمي. علامات مش مجرد جروح، دي صرخة مكتومة عشت بيها.
اسمي "ليلى"، وبقالي 3 سنين مستنية اللحظة دي.
خبطة خفيفة على الباب قطعت سكاتي.
"ليلى؟" صوت أختي "منى" جه من ورا الباب. "أستاذة زينب المحامية بتقول إن الجلسة هتبدأ."
فتحت الباب وشفتها واقفة بالدريس الأزرق اللي جبناه سوا من الوكالة، والزراير اللولي اللي سهرت أخيطها لها بإيدي. بقت عندها 14 سنة دلوقتي، كبرت وبقت هادية وبتحس بكل حاجة. الناس بتشوفها
قلت لها بصوت واطي: "مش لازم تدخلي يا منى، خليكي مع الحاجة كريمة (جارتنا) برا."
هزت رأسها بقرار: "لا يا ليلى، مش هسيبك لوحدك قدامهم."
ساعات الإخوات الصغيرين بيكبروا في لحظة، ودي كانت اللحظة بتاعتها. سويت لها طرحتها بإيدي اللي كانت بتترعش من التوتر.
"إنتي كويسة؟" سألتني.
قلت لها بصراحة: "لا.. بس أنا هنا، ومش هخاف."
مشينا في الطرقة سوا. ريحة المحكمة كانت خليط من الورق القديم، وريحة البن، والديتول.. ريحة مكان شاف قهر وظلم كتير لدرجة مابقاش يتأثر.
أول ما دخلنا قاعة "4 ج"، حسيت بوجودهم من غير ما أبص.
أمي كانت قاعدة على ترابيزة المتهمين، لابسة عباية بيضاء وطرحة ونقاب عشان تبان "الست التقية"، وماسكة في إيدها سبحة عمالة تسبح عليها بتمثيل. وجنبها "عصام"، جوز أمي، بدقنه اللي مربيها كمنظر وقميصه المكوي بالمسطرة، ووشه اللي مرسوم عليه الوقار المزيف اللي كان بيخدع بيه الناس.
وراهم كان في ناس من المنطقة ومن الجامع اللي كان بيصلي فيه، كلهم فاكرينهم مظلومين. أما ناحيتنا، فالعدد كان قليل جداً.
أستاذة زينب، المحامية بتاعتي، كانت بتراجع الورق. والرائد أحمد، اللي حقق في القضية، هز لي راسه كأنه بيطمني. قعدت أنا ومنى، وأستاذة زينب قربت مني وهمست: "في دليل جديد وصل الصبح."
سألتها بلهفة: "دليل إيه؟"
بصت لأمي بصه غامضة وقالت:
قبل ما أنطق، دخل القاضي.
الكل وقف، والصمت حل على القاعة، والهوا بقى تقيل. المستشار "صالح" مابصش ناحية الدفاع خالص، عينيه كانت بتلف في القاعة كلها، بص علينا، وبعدين قعد وفتح الملف اللي قدامه.
قال بصوت جهوري وهادي: "نحن هنا للنطق بالحكم في القضية المرفوعة ضد سعاد وعصام.. وقبل ما نبدأ، في دليل جديد اتقدم للمحكمة ولازم أفحصه."
محامي الدفاع قام بسرعة: "يا سيادة المستشار، إحنا بنعترض.."
القاضي قاطعه بحزم: "اتفضل استريح يا أستاذ، اعتراضك ملوش مكان هنا."
ورفع في إيده "أجندة" قديمة متجلدة بجلد أسود.
بص لأمي وقال بحدة: "يا ست سعاد.. تعرفي إيه عن الأجندة دي؟"
أنا مش محتاجة أسمع ردها.. أنا عارفة كويس الأجندة دي فيها إيه، دي "مذكرات" جوز أمي اللي كان كاتب فيها بكل فخر "طرق التأديب" اللي كان بيعملها فينا ومسميها "جهاد في سبيل التربية".
أول ما القاضي رفع الأجندة دي، وش "عصام" قلب ألوان، وأمي السبحة وقعت من إيدها وصوت خرزها وهو بيخبط في الأرض كان هو الصوت الوحيد المسموع في القاعة.
الجزء الثاني
بدأت المحامية "زينب" تتكلم بصوت واثق وهي بتبص للقاضي: "يا سيادة المستشار، الأجندة دي مش مجرد ورق، دي اعتراف صريح ومكتوب بخط إيد المتهم عن كل لحظة عذاب عاشتها ليلى وأختها. كان كاتب فيها التواريخ، والوسائل، وحتى المبررات الواهية اللي كان بيقنع بيها نفسه إنه بيأدبهم."
أمي بدأت تعيط بصوت عالي، عياط
القاضي خبط بالشاكوش خبطة هزت القاعة: "هدوء! المتهمة تسكت خالص."
بصيت لها، ولأول مرة محستش بالخوف اللي كان بيشل حركتي وأنا عندي 15 سنة. شفتها على حقيقتها.. ست ضعيفة باعت ضناها عشان ترضي راجل ميعرفش ربنا.
القاضي بص لتقرير الطب الشرعي اللي كان معاه، وبعدين بص لـ "عصام" وقال له: "إنت كاتب هنا في صفحة 45 إن 'الكيّ بالنار' هو أنسب وسيلة لكسر التمرد.. هل كنت فاكر إنك فوق القانون؟ ولا كنت فاكر إن الحيطان اللي اتكتمت فيها صرخات البنات دي مش هتنطق؟"
عصام حاول يتكلم، صوته كان طالع مرعوش ومكسور: "يا سيادة القاضي، البنت كانت ماشية غلط وكان لازم..."
"كداب!".. الصرخة دي مكنتش مني، دي كانت من "منى" أختي الصغيرة. وقفت وهي بتترعش بس عينيها فيها قوة غريبة: "إحنا عمرنا ما عملنا حاجة غلط، إنت كنت بتعذبنا عشان ليلى كانت بتمنعك تاخد الفلوس اللي بابا سابها لنا في البنك، كنت عايز تكسرنا عشان تسرقنا!"
القاعة كلها هرجت، والناس اللي كانت جاية تدافع عنهم بدأت تبص لبعض بصدمة. الستات اللي كانوا فاكرين أمي "ست صابرة" بدأوا ينسحبوا من الصفوف الأولى.
القاضي استنى لحظة، كأنه بيدي فرصة للحق إنه يبان قدام الكل، وبعدين نده عليا: "يا ليلى.. عندك حاجة تانية تقوليها قبل ما أصدر حكمي؟"
قمت وقفت، رجلي كانت شيلاني بالعافية، بس رفعت راسي. بصيت لأمي