انتقام الماضي حكايات صافي هاني

لمحة نيوز


"أنا مش عايزة انتقام.. أنا بس عايزة لما أنام بالليل، مأحلمش بصوت النار وهي بتسخن. أنا عايزة أختي تكبر وهي عارفة إن الحق مبيضيعش، وإن اللي يظلم باسم الدين أو باسم التربية، ربنا بيفضحه في الدنيا قبل الآخرة. أنا مسمحاكم في وجع جسمي، بس مش مسمحاكم في كسر نفسي."
​القاضي نزل نظارته، وبص في الورق لآخر مرة، وساد صمت رهيب.. لدرجة إن ضربات قلبي كانت مسموعة.
​"حكمت المحكمة حضورياً..."
​أمي وقعت من طولها، وعصام نزل راسه في الأرض وهو بيسمع الحكم اللي هيرميه ورا القضبان سنين طويلة، سنين هيدوق فيها طعم الحبس اللي حبسنا فيه جوه بيتنا سنين.
​خرجت من القاعة وأنا ماسكة إيد منى. أول ما الهوا الشديد خبط في وشي برا المحكمة، حسيت لأول مرة إني قادرة أتنفس. الجلد اللي كان مشدود على ضهري فجأة مابقاش واجعني.. كأن الجرح أخيراً لمّ، وكأن الروح أخيراً رجعت لمطرحها.
بعد ما الحكم نطق، الدنيا اسودت في عين "عصام"، والشرطة كلبشته وهو لسه مش مصدق إن "الأجندة" اللي كان فاكرها سر في بئر، بقت هي حبل المشنقة اللي اتلف حوالين رقبته.
​الجزء الثالث والأخير
​أمي فاقت من إغمائها وهي بتصرخ وتولول، كانت بتحاول تمسك في طرف هدومي وهي بتترحل مع العساكر: "سامحيني يا ليلى! يا بنتي أنا مليش غيرك، هتموتي أمك بالحسرة؟"
​بصيت لها بصه أخيرة، مكنش فيها كره، كان فيها شفقة.. شفقة على ست ضيعت عمرها ودينها وبناتها عشان خاطر راجل ميسواش. مردتش عليها، لكن شديت

"منى" في حضني ومشيت.
​واحنا خارجين من باب المحكمة الكبير، الرائد أحمد وقفني وقال لي: "يا ليلى، حقك رجع، والفلوس اللي كان عصام حاطط إيده عليها، المحكمة جمدتها وهترجع ليكي ولأختك بالمليم.. إنتو دلوقتي أحرار."
​شكرته وأنا مش قادرة أتكلم. ركبنا "تاكسي" وأنا ساندة راسي على الشباك وببص لشوارع القاهرة والزحمة، لأول مرة أحس إني جزء من الدنيا دي، مش مجرد خيال عايش في ضلمة أوضة مقفولة.
​"هنروح فين يا ليلى؟" منى سألتني وهي ماسكة إيدي بقوة.
​ابتسمت لها وقلت: "هنروح بيت بابا القديم.. البيت اللي كان دايماً ريحته طيبة، هنفتحه وننظفه، وهنعيش فيه بستر الله. مفيش حد هيقدر يرفع إيده عليكي تاني، ولا حد هيقول لنا كلمة توجعنا. إنتي هتكملي تعليمك وتدخلي الكلية اللي نفسك فيها، وأنا هشتغل وأبقى جنبك."
​وصلنا البيت، كان التراب مالي المكان، بس بمجرد ما فتحت الشبابيك ودخلت شمس ربنا، حسيت إن الروح ردت في الحيطان. دخلت المطبخ ولعت البوتاجاز عشان أعمل شاي، وبصيت للنار وهي طالعة هادية وزرقاء.. مابقتش بتخوفني ولا بتهددني، بقت مجرد نار بنعمل عليها لقمة ناكلها في أمان.
​بالليل، صليت ركعتين شكر لله، ولأول مرة من سنين نمت نوم عميق، من غير كوابيس، ومن غير ما أقوم مفزوعة أدور على مفتاح الأوضة.
​النهاية
​الندبات اللي في ضهري لسه موجودة، وهتفضل موجودة طول العمر، بس النهاردة مابقتش علامة ضعف.. بقت "وسام" بيفكرني إني كنت قوية كفاية عشان أحمي
أختي، وإني كنت صبورة كفاية عشان أستنى نصر الله اللي دايماً بييجي في وقته.
​العيلة مش دايماً بتبقى بالدم، العيلة هي اللي بتصون وتطبطب وتخاف عليك.. وأنا ومنى النهاردة بقينا أجمل وأقوى عيلة في الدنيا.
بعد ما استقرينا في بيت أبويا، الحياة بدأت تفتح لنا بيبانها من جديد. لكن الحكاية مخلصتش عند مجرد حكم محكمة، الحكاية الحقيقية بدأت لما قررنا نعيش مرفوعين الراس.
​الفصل الجديد
​بعد شهر من القضية، كنت قاعدة في الصالة براجع حسابات البيت، و"منى" كانت قاعدة على المكتب بتذاكر لأول مرة وهي مركزة، مش بتدير وشها كل شوية ناحية الباب خايفة حد يدخل عليها.
​الباب خبط.. قلبي قبضني للحظة، الوجع القديم لسه له أثر، بس قمت وفتحت. كانت "الحاجة كريمة" جارتنا، داخلة وفي إيدها صينية "رز بلبن" ووشها بيضحك.
​"مبروك يا بنتي، سمعت إن المحكمة حكمت النهاردة بفسخ عقد البيع المزور اللي كان عصام عامله لنفسه في المحل بتاع أبوكي."
​دموعي نزلت من غير ما أحس. المحل ده كان حلم أبويا، كان شقي عمره اللي "عصام" استولى عليه وخلانا نشتغل فيه زي الخدم.
​قلت لها: "الحمد لله يا خالة كريمة، ربنا مابيرضاش بالظلم."
​نزلت المحل تاني يوم.. كان مطفي وضلمة، وريحته كتمة. فتحت الأقفال وبدأت أنظف، وكل حتة تراب بمسحها كانت بتمسح معاها ذكريات قاسية. الناس في المنطقة بدأوا يقربوا، اللي كان خايف يتدخل زمان بقى ييجي يبارك، واللي كان مصدق تمثيلهم بقى يعتذر.
​في يوم،
جالي محامي أمي في المحل، كان جايب لي رسالة منها من السجن. فتحت الورقة، كانت كاتبة بكلمات مهزوزة: "يا ليلى، عصام طلقني بعد ما عرف إن مفيش أمل يخرج، وأنا هنا لوحدي، اطلبي لي زيارة وهاتي لي لقمة من إيدك."
​بصيت للورقة كتير.. للحظة افتكرت السيخ المحمي، وافتكرت وقفتها وهي بتتفرج عليا وأنا بتهان. طبقت الورقة وحطيتها في جيبي.
​رحت لها الزيارة.. مش عشان هي تستاهل، بس عشان "ربنا" أمرنا بالبر حتى لو كان فيه جفاء، وعشان أثبت لنفسي إن قلبي لسه فيه رحمة ملقهاش "عصام" يلوثها. وقفت قدامها من ورا السلك، كانت دبلانة وشكلها كبر عشرين سنة.
​قالت لي وهي بتعيط: "سامحتيني يا بنتي؟"
​رديت عليها بهدوء: "أنا سترك وغطاكِ يا أمي، ومصاريفك وأكلك هيوصلوا لك كل شهر لحد عندك، لكن الوجع اللي جوه.. ده سيبيه للأيام ولربنا يداويه. عيشي اللي فاضل من عمرك توبي واستغفري عن اللي عملتيه فينا."
​خرجت من السجن وأنا حاسة إني قفلت آخر صفحة في كتاب الوجع. رحت لـ "منى" المدرسة، شفتها واقفة وسط زمايلها بتضحك من قلبها، ضحكة مكنتش بتطلع منها زمان.
​الخلاصة
​الندبات اللي في ضهري لسه بتعلمني درس كل يوم.. إن النار اللي حرقتني زمان، هي اللي صلب نشفي وخلتني "ست بـ 100 راجل". مفيش حد يقدر يكسر حد ربنا معاه، ومفيش حق بيموت ما دام وراه "صاحب حق" مبيخافش.
​أنا "ليلى"، النهاردة بفتح محل أبويا، وبربي أختي، وببني حياتي على نظافة.. من غير تمثيل، ومن غير خوف،
وبكل رضا بما قسمه الله لي.

 

تم نسخ الرابط