كنا قعدين نتكلم

لمحة نيوز


بس كفاية كدب.
وبعدها بصت للبنت الصغيرة مرة أخيرة، بصّة طويلة، مليانة وجع مش مفهوم، وقالت بصوت واطي إنتِ مالكيش ذنب بس أنا لازم أنقذ نفسي.
وخدت شنطتها اللي كانت على الكرسي، ولفّت ناحية الباب.
لكن قبل ما تخرج، سمعت صوت وائل لأول مرة فيه انهيار حقيقي خواطر ما تمشيش أنا لسه
وقفت لحظة عند الباب، من غير ما تبص له، وقالت لسه دي كان لازم تتقال قبل ما تكسّرني مش بعد ما انتهيت.
وفتحت الباب وخرجت
والصالة كلها فضلت واقفة في صمت، لأول مرة مش صمت صدمة لكن صمت نتيجة خواطر نزلت على سُلّم العمارة بخطوات بطيئة، كأن كل درجة بتسحب منها جزء من اللي كانت عليه. صوت الباب اللي اتقفل وراها كان لسه بيرن في دماغها، مش صوت خشب كان صوت حياة بتتقفل.
وقفت قدام العمارة لحظة، خدت نفس طويل، وبصت للشارع كأنها بتشوفه لأول مرة.
لكن قبل ما تتحرك، سمعت صوت خطوات سريعة وراها.
خواطر!
كان وائل.
واقف على باب العمارة، نفسه مقطوع، ووشه لأول مرة فيه انهيار حقيقي من غير تمثيل.
استني اسمعيني بس!
لفّت له ببطء، وعينيها كانت ناشفة بشكل غريب، لا دموع ولا صراخ بس فراغ.
قالت بهدوء هتقول إيه تاني يا وائل؟ تبرير جديد؟ ولا هتضيف كدبة كمان فوق اللي فات؟
اتقدم خطوة وقال أنا غلطت بس مش بالطريقة

اللي إنتي فاهمها أنا اتجوزت عشان ظروف عشان أمي كانت عايزة حفيد عشان ضغط أنا كنت تايه
قاطعته بسرعة وانا؟ كنت إيه في كل ده؟ رصيد احتياطي؟ ولا حياة مؤجلة لحد ما الظروف تتحسن؟
سكت.
والسكوت ده كان الرد الحقيقي.
خواطر ابتسمت ابتسامة صغيرة، مريرة، وقالت تعرف إيه أكتر حاجة بتكسر؟ إنك كنت شايفني ست قوية ورضيت أبقى ضعيفة جوا بيتك عشانك.
عيونها بدأت تلمع، بس صوتها فضل ثابت بس الضعف اللي كنت فاكره حب طلع غفلة.
في اللحظة دي، باب العمارة اتفتح تاني، وطلعت حماتها وهي بتجري خواطر! استني يا بنتي بلاش تكسري البيت!
وقفت خواطر تبصلها، وقالت بهدوء مؤلم البيت اتكسر من زمان أنا بس كنت آخر حاجة وقعت فيه.
رجعت تبص لوائل مرة أخيرة خليك فاكر حاجة مش كل ست بتسكت هتفضل ساكتة للأبد.
وبعدين لفّت ومشت.
المرة دي مافيش رجعة خطوة ورا ولا التفاتة.
بس وهي ماشية، كان في حاجة جواها بتتغيّر مش بس ألم لكن بداية قرار.
وفي آخر الشارع، وقفت لحظة، مسحت دمعة نزلت غصب عنها، وقالت لنفسها بصوت واطي أنا خسرت بيت بس ما خسرتش نفسي.
ورفعت راسها وكملت طريقها لأول مرة من غير ما تبص وراها خواطر كملت طريقها، وكل خطوة كانت بتفصلها أكتر عن البيت اللي كان فاكر إنها هتفضل فيه للأبد. الشارع حواليها
كان عادي ناس ماشية، صوت عربيات، ضحك أطفال لكن جواها كان في ضوضاء مختلفة تمامًا.
ضوضاء أسئلة مالهاش إجابة سهلة.
كنت عايشة معاه كام سنة؟ كنت أنا فين من كل ده؟ إزاي ما شُفتش؟ ولا كنت شايفة وبتجاهل؟
وقفت قدام محل صغير على ناصية الشارع. اتنهدت، وحست لأول مرة إنها مش عارفة تروح فين.
في اللحظة دي، الموبايل رن.
بصت للشاشة رقم وائل.
فضل بيرن مرة واتنين وتلاتة.
قفلت المكالمة من غير تردد.
وبعدها جالها رسالة أنا آسف تعالي نحلها سوا مريم محتاجانا
وقفت عند الاسم.
مريم.
البنت الصغيرة.
اتغيرت ملامح وشها لحظة مش ضعف، لكن ارتباك. رجعت افتكرت عيونها، خوفها، صوتها وهي بتنادي بابا.
اتنهدت وقالت لنفسها حتى الكلمة دي اتسرقت مني من غير ما أحس.
قفلت الموبايل وحطته في الشنطة.
وبدأت تمشي تاني، لكن المرة دي مش هروب كانت ماشية ناحية مكان ما تعرفهوش.
بعد وقت، لقت نفسها قدام كافيه صغير هادي. دخلت وقعدت على أقرب ترابيزة.
طلبت حاجة سخنة من غير ما تفكر.
وهي قاعدة، دموعها بدأت تنزل أخيرًا مش انهيار، لكن تفريغ متأخر لكل اللي اتكتم.
وفجأة لقت حد بيقعد قدامها.
رفعت عينها بسرعة كانت غادة.
نفس البنت اللي فتحت الحقيقة زي سكين.
خواطر قالت ببرود جايه تكملي المشهد؟ ولا في اعتراف
جديد؟
غادة هزّت راسها بالنفي، وقالت بصوت أهدى من الأول أنا مكنتش جايه أوجعك بس كنت شايفة إنك لازم تعرفي.
سكتت لحظة، وبعدين كملت بس واضح إن الحقيقة ساعات بتكسر أكتر ما بتفتح عين.
خواطر ابتسمت بسخرية خفيفة لا الحقيقة مش هي اللي كسرتني الكدب اللي عشت فيه هو اللي خلصني.
غادة بصت لها بصمت، وبعدها قالت وائل مش وحش بس ضعيف. والضعف ساعات بيعمل كوارث.
خواطر ردّت بسرعة والضعف ده عمره ما كان مبرر.
سكتوا سوا شوية.
وبعدين خواطر وقفت فجأة وقالت أنا مش زعلانة إني عرفت أنا زعلانة إني اتأخرت في الفهم.
بصّت لغادة بس متشكرة على الأقل مفضلتش عايشة في دور أنا مش عارفاه.
وطلعت من الكافيه.
المرة دي وهي ماشية، مكنش فيها انهيار ولا رجوع لكن كان فيها حاجة جديدة تمامًا
قرار.
وفي عقلها جملة واحدة كانت بتتكرر اللي اتكسر بيتصلّحش بس اللي يتفهم بدري بيتبني من جديد خواطر خرجت من الكافيه والشارع كان بدأ يهدى شوية، كأن اليوم كله بيتراجع خطوة لورا بعد العاصفة اللي حصلت. لكن جواها، مفيش هدوء حقيقي كان في عقل بيشتغل بسرعة لأول مرة من غير مشاعر بتعطّله.
وقفت قدام موبايلها تاني، وبصت لرسالة وائل اللي لسه قدامها.
مريم محتاجانا
الاسم كان بيشدها من ناحية، وبينفرها من ناحية تانية.

همست لنفسها إحنا؟ إحنا امتى بقينا إحنا؟
قفلت الشاشة، لكن قبل ما
 

تم نسخ الرابط