مررتُ بمدرسة ابنتي التي تبلغ من العمر 6 سنوات لكي أفاجئها، لكن قلبي انقبض حينما رأيت المعلمة ترمي حقيبتها في القمامة وتصرخ فيها قائلة
خوف، دموع ارتباك.
بس ميس قالت
لم أتركها تكمل.
ميس غلطت. ومش هتكون موجودة في حياتك تاني.
حاولت تبتسم، لكن الابتسامة خرجت مكسورة.
أخذتها من يدها ومشينا نحو مكتب الإدارة.
كل خطوة كنت أحس فيها إن في شيء بيتغير جوايا مش بس غضب، لكن إدراك أعمق المدارس مش مباني المدارس أرواح بتتشكّل جوّا الأطفال.
وصلنا للمكتب.
المدير وقف فورًا.
حضرتك إحنا فعلاً آسفين، والمدرسة هتتخذ إجراء صارم
رفعت يدي أوقفه.
مش عايزة إجراءات.
سكت.
عايزة إجابة واحدة بس كام طفل تاني اتكسر هنا زي بنتي؟
المدير ما ردش.
الصمت كان كفاية.
سحبت نفس عميق وقلت
من اللحظة دي، المعلمة دي متفصولة. ومش بس كده
نظرت حولي في المكان.
هتكون فيه مراجعة كاملة لكل أسلوب التعامل مع الأطفال هنا.
المدير هز رأسه بسرعة
طبعًا طبعًا.
لكن مكة كانت ماسكة في إيدي أقوى.
همست بصوت صغير
ماما إحنا هنرجع البيت؟
نزلت لمستواها وابتسمت لها للمرة الأولى من بداية اليوم
أيوه بس الأول هنروح مكان أهم.
فين؟
مسحت دموعها بإيدي وقلت
مكان مفيهوش حد يقولك إنتي أقل من أي حد حتى لو يوم واحد.
خرجنا من المدرسة.
الشمس كانت قوية في الخارج، لكن لأول مرة في اليوم ده حسّيتها دافئة مش قاسية.
مكة كانت ماسكة في إيدي، وخطواتها بدأت تهدى.
وفي اللحظة دي، فهمت حاجة بسيطة جدًا لكنها مهمة
مش كل المدارس بتربي أطفال بعضها بيحتاج يتعلم
مش هدوء الاطمئنان لكن هدوء التعب.
كانت تبص من الشباك على الطريق وكأنها بتحاول تفهم هل اللي حصل كان حلم وحش ولا حقيقة.
سألتني فجأة بصوت صغير
ماما هي المدرسة دي وحشة؟
سكتُّ ثواني قبل ما أجاوب، لأني كنت عايزة أختار كلمة ما تسيبش أثر غلط جواها.
قلت لها بهدوء
المدرسة مش وحشة يا مكة بس في ناس جواها غلطوا.
لفت وشها ناحيتي
يعني أنا مش وحشة؟
قفلت إيدي على إيدها بسرعة.
إنتي عمرك ما تكوني وحشة. ولا مرة.
سكتت، لكن عينيها كانت لسه فيها سؤال أكبر من سنها.
بعد شوية وصلنا البيت.
دخلت أوضتها وفضلت قاعدة على سريرها، ضامة ركبتيها لصدرها.
كنت واقفة عند الباب أبصلها، وحاسة إن الموقف كله مش مجرد حادثة مدرسة ده أثر اتزرع جوّاها ومحتاج يتشال بحذر.
دخلت قعدت جنبها.
مكة تحبي نحكي اللي حصل بطريقة مختلفة؟
هزت رأسها بهدوء.
إزاي؟
ابتسمت وقلت
نعتبر إن اللي حصل ده كان درس للمدرسة مش ليكي.
رفعت حاجبها الصغير
يعني هم اللي اتعلموا؟
ضحكت بخفة
أيوه. وفيه دروس بتوجع عشان تتفهم صح.
سكتت شوية، وبعدين قالت
بس أنا زعلت أوي.
مددت إيدي ومسحت على شعرها.
وعندك حق. الزعل مش غلط. بس المهم ما يخليكيش تصدقي إنك أقل.
في اليوم اللي بعده، الموبايل رن أكتر من مرة.
رسائل من الإدارة. اعتذارات رسمية. طلب مقابلة. ووعود بإجراءات
لكنّي ما كنتش مستعجلة أرد.
كنت عايزة أهم حاجة تحصل الأول مكة ترجع تضحك زي الأول.
بعد يومين، دخلت عليّ وهي شايلة رسمه في إيدها.
ماما رسمت المدرسة.
أخدت الورقة منها.
كانت رسمة بسيطة مدرسة كبيرة، أطفال، وأم ماسكة إيد بنت صغيرة عند الباب.
سألتها
مين دي؟
قالت بابتسامة خفيفة
دي أنا وإنتي.
وقفت أبصلها، وحسيت إن كل اللي حصل لسه صعب، لكن فيه بداية صغيرة جدًا للشفاء.
سألتني فجأة
ممكن أرجع المدرسة تاني؟
سكتّ.
مش لأنّي مش عارفة أجاوب لكن لأنّي كنت عارفة إن السؤال الحقيقي مش نرجع ولا لا، لكن نرجع فين وإزاي من غير ما نخاف؟
قلت لها بهدوء
هنختار مدرسة جديدة تحترمك قبل ما تعلمك.
ابتسمت أخيرًا.
ابتسامة صغيرة لكن لأول مرة من يومين كانت حقيقية.
وفي اللحظة دي، فهمت إن القصة مش عن فصل معلمة.
القصة كانت عن طفلة اتعلمت في يوم واحد إن صوتها له قيمة وإنها مش لازم تصغر عشان حد يرضى عنها مرّت أيام قليلة، وكنت بالفعل بدأت أدوّر على مدرسة جديدة.
مش مدرسة أفخم ولا أغلى لكن مدرسة فيها حاجة أهم احترام الطفل.
وفي صباح يوم هادي، رحت أنا ومكة نزور مدرسة مرشّحة جديدة.
كانت مختلفة من أول لحظة.
الأطفال بيتحركوا بحرية، في ضحك، وفي نظام من غير صراخ.
مكة كانت ماسكة في إيدي، لكنها المرة دي ما كانتش خايفة كانت مترددة بس.
استقبلتنا مديرة المدرسة بابتسامة بسيطة.
أهلًا
هزّت مكة رأسها بخجل.
المديرة انحنت لمستواها وقالت
تحبي توريني رسمك؟ أو لعبة بتحبيها؟
سكتت مكة لحظة وبعدين بصتلي.
كأنها بتستأذن.
هززت راسي لها.
فطلعت من شنطتها الرسمة اللي كانت مرسماها قبل كده.
وقدّمتها للمديرة.
المديرة بصّت للرسم بابتسامة حقيقية، وقالت
دي جميلة جدًا إنتِ عندك خيال حلو.
في اللحظة دي، عيني مكة لمعت.
حاجة بسيطة جدًا جملة عادية لكنها كانت بالنسبة لها علاج صغير لجرح كبير.
بعد الجولة، خرجنا من المدرسة.
مكة كانت ماشية بجانبي، لكن إيديها المرة دي كانت أخف، كأنها بدأت تسيب الخوف وراها.
سألتني وهي ماشية
ماما الناس هنا ممكن يزعلوني؟
وقفت لحظة.
وبعدين قلت لها بصراحة هادية
أي مكان فيه ناس ممكن يحصل فيه غلط.
بصّتلي بسرعة بخوف بسيط.
كملت
بس الفرق إن هنا لو حد غلط، بيتصلّح. مش بيتسكت عليه.
سكتت.
وبعدين قالت جملة صغيرة جدًا، لكنها خلت قلبي يهدى
يبقى أنا ممكن أكون كويسة هنا.
ابتسمت وقلت
إنتي مش بس كويسة يا مكة إنتي كفاية زي ما إنتي.
في اليوم اللي بعده، بدأنا إجراءات نقلها.
وأول يوم ليها في المدرسة الجديدة، لبست شنطتها بإيديها الصغيرة لوحدها.
وقبل ما تنزل من العربية، مسكت إيدي وقالت
ماما لو زعلت، هتيجيلي؟
قربت منها وقلت
مش بس هاجي أنا هكون أول واحدة تسمعك.
ابتسمت ونزلت.
وقفت أبصلها وهي داخلة المدرسة، خطوة بخطوة، لحد
لكن المرة دي ما اختفتش كطفلة خائفة.
اختفت كبنت بدأت ترجع لنفسها.
ورجعت أنا للعربية، وقلبي لأول